مدرسة “صالح إبراهيم” الصحفية.. رحلة 66 عاماً من العطاء والمحبة والإبداع
بقلم: أماني صالح
قرأتم مثلي ما سطره قلم الأستاذ صالح إبراهيم في عموده (خارج الصندوق) المنشور في صفحة الرأي بعدد اليوم من الجريدة فيما أسماه “المقال الأخير”.. ولست أدري متى كتبه وكيف فكر فيه، كل ما أذكره أنني رأيته يوماً بين أوراقه ولم أستطع قراءته وأخفيته أسفلها. واليوم، وأنا أشاركه الجميع، فقط كي أحقق له رغبة لعلها غير مسبوقة: كاتب صحفي يبحث عن التقييم!
بداية باكرة وصناعة المانشيت الذكي
كيف تقيم العمر الطويل الذي بدأ في الرابعة عشرة، كصبي صغير لفت نظر محرر “الجمهورية” ليقدمه في موضوع (أصغر طالب في الجامعة)، لتنسج الأقدار تعارفه بالأستاذ جلال الدين الحمامصي وتبدأ رحلة تضم أسماء عديدة من أساتذة وزملاء وتلاميذ؟
تتميز مدرسة صالح إبراهيم الصحفية بالعناية بالخبر الذكي، والقدرة على صناعة الفرص، واختصار السطور الطويلة بكلمة جاذبة تصنع المانشيت. يكتشف النجوم ويصنعهم حين يمنحهم المساحة، ويقترح المواضيع ويفرد لها الصفحات. وفي الديسك، يفرح كثيراً بمن يريد أن يتعلم، فيعلمه دون كلل، يحييه على إنجازه ويصوب خطأه بمحبة لا تخلو من عصبية هي “أطيب عصبية”، إذ لا يجد غضاضة في صلح من غضب عليهم أو مداعبتهم لاحقاً.
66 عاماً من الشغف وتنوع القلم
طوال أكثر من 66 سنة في محراب الصحافة، مارس باقتدار كافة أشكال المادة الصحفية؛ من خبر وتحقيق وحوار وتقرير ومقال، حتى الكاريكاتير الذي كان يرسمه في أوقات الفراغ ويهدي قصاصاته للأصدقاء.
وصل الأستاذ لقمة العمل الصحفي عندما أصبح مسؤولاً عن الإصدار اليومي في ديسك “الجمهورية” -موقع شغله مع الأستاذ خالد إمام للمرة الأولى كنائب أول رئيس تحرير- وكان هذا الموقع بالنسبة له أهم من أي منصب آخر. ورغم أن كفاءته طرحت اسمه أكثر من مرة لرئاسة تحرير أحد إصدارات المؤسسة، لم يشكُ أو يتمرد، بل واصل عمله بحب جارف وعطاء كبير.
مع تقدم السن ووهن الجسد وتبدّل الظروف، أصبح يزور الجريدة أسبوعياً ليوم الجمعة (عدد السبت)، فيكون صاحب نصيب الأسد في ديسك الأخبار؛ يكتب ويصحح يدقق حتى لحظة مغادرته، حاملاً معه رزمة ورق وأخبار مطبوعة ليفتش فيها عن موضوعات جديدة يكتب عنها للصالح العام فقط.
إنسانيات، إيمانيات، ونقد رفيع
-
مجلة حريتي: تتخذ مقالاته شكلاً إنسانياً جذاباً يمزج بين المقال والقصة، يلمس القلب ويصلح لكل زمان.
-
جريدة العقيدة: يكتب متطوعاً بدعوة من الأستاذ محمد الأبنودي ثم الأستاذ مصطفى ياسين، ليبهر القراء بمقالات روحانية تتأمل القضايا الاجتماعية بمنظور ديني سمح، كما في مقاله النوراني (قلب سليم) الذي خطه بقلب واهن بالجسد لكنه سليم بمقاييس الروح.
-
الفضاء الرقمي: عبر صفحته على فيسبوك، أمتع المتابعين بتحليلات رياضية رفيعة تنبذ التعصب، وقراءات نقدية سينمائية وتلفزيونية تعيد اكتشاف الأعمال، إلى جانب لفتاته الإنسانية في رثاء الراحلين من أبناء المهنة دون تفرقة بين عامل وصحفي كبير.
الأب والملهم وسفير المحبة
بعيداً عن الأضواء، كان دوماً الداعم والأب والملهم، وأكبر قارئ لصفحة (يلا شباب) بملحوظاته الأسبوعية المشجعة التي تجدد دوافع الفريق. يعلم من حوله بحساسية طفل نقي القلب؛ يبادر بالتواصل والاطمئنان على أحبائه عبر الرسائل الصوتية، مؤمناً بأن المحبة هي العزوة الحقيقية.
صنع الأستاذ من بابه الشهير في حريتي (زميلي القارئ.. محرر حريتي) أسرة حقيقية امتدت لسنوات. هذا هو الصحفي الذي يسأل قارئه التقييم في مقاله الأخير لكنه يغيب عن سماعه، فهل تصل إليه محبته؟



