السودان: 40 ألف نازح يفرون من قيسان تحت زخات الرصاص والأمطار بالنيل الأزرق

كتبت: د. هيام الإبس
تشهد الأزمة السودانية تصاعداً خطيراً وموجات نزوح جديدة تُعدّ من الأكثر قسوة منذ اندلاع الحرب، حيث يواصل القتال الدامي وتدهور الأوضاع الإنسانية التمدد إلى مناطق كانت تُعد حظوظها من الأمان نسبية. وفي هذا السياق، يتجلى المشهد الإنساني المأساوي في إقليم النيل الأزرق وولاية شمال كردفان، وسط تحذيرات أممية ودولية متزايدة من كارثة وشيكة تتطلب تحركاً عاجلاً لإيقاف النزيف وحماية المدنيين.
فرار الجماعي تحت ظروف جوية بالغة القسوة
أفادت منظمة «مناصرة ضحايا دارفور» بنزوح نحو 40 ألف شخص خلال أسبوع واحد فقط من محلية قيسان ومحيطها بإقليم النيل الأزرق (جنوب شرق السودان)، جراء اشتداد العمليات العسكرية وتفاقم المعاناة الإنسانية. وأوضحت المنظمة الحقوقية أن أغلبية النازحين من النساء والأطفال وكبار السن، فروا نحو مناطق مثل «ديم سعد»، «وَد المحامى»، و«الكار»، حيث اضطر العديد منهم لنقل أمتعتهم عبر المراكب وعبور النهر في ظروف جوية بالغة القسوة بالتزامن مع فصل الخريف وهطول الأمطار.
وقد حذرت المنظمة من تداعيات هذا النزوح الجماعي، في ظل غياب مقومات الحياة الأساسية من غذاء، ومياه شرب صالحة، ومواد إيواء، ورعاية صحية، بعدما أجبرت العائلات على ترك منازلها ومصادر رزقها طلباً للأمان، مطالبة الجهات الدولية والإقليمية بالتدخل الفوري وإعلان هدنة إنسانية عاجلة لفتح مسارات آمنة لإيصال المساعدات.
تصعيد ميداني واستهداف للبنى التحتية
ميدانياً، اتهمت المنظمة الجيش السوداني بقصف الجسر الرابط بين منطقتي «بكوري» و«أمورا» بمحلية قيسان بالمدفعية، مما أدى إلى تدميره بالكامل. وأكدت أن الجسر يُعد شرياناً حيوياً لحركة السكان ونقل البضائع والسلع الأساسية، مشيرة إلى أن تدميره بالتزامن مع موسم الأمطار يضاعف من حصار المدنيين ويعزلهم عن الإمدادات الضرورية.
ويأتي هذا التصعيد بعد إعلان قوات تحالف «تأسيس» (الذي يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال) سيطرتها على قيسان ومدينة الكرمك الإستراتيجية. وتكتسب هذه المناطق أهمية جغرافية وعسكرية فائقة لقربها من الحدود الإثيوبية، مما جعل إقليم النيل الأزرق إحدى جبهات المواجهة الرئيسية في الصراع الراهن.
تحذيرات أممية ونقص حاد في التمويل
على الصعيد الدولي، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من الاستمرار الكارثي لموجات العنف، حيث أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، سقوط أكثر من 12 قتيلاً وإصابة آخرين في اشتباكات بمنطقة «أم عردة» جنوب غرب مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان. وأشارت المنظمة الدولية للهجرة إلى نزوح أكثر من 4200 شخص من أم عردة، مما أجبر الشركاء الإنسانيين على تعليق الأنشطة والخدمات الصحية لأكثر من أسبوعين في منطقة «المزروب» التي تعاني بالأساس من تفشي مرض الكوليرا.
أما في النيل الأزرق، فقد وثقت المنظمة نزوح 5400 شخص إضافي جراء تجدد الاشتباكات في قيسان والكرمك، لتضاف إلى تقديرات أممية سابقة تبين وجود 170 ألف نازح بالإقليم يعيشون في بيئة صحية بائسة تهددهم بالأوبئة. وجدّدت الأمم المتحدة دعواتها لحماية المدنيين، مناشدة المانحين سد الفجوة التمويلية الحادة، حيث لم تتلقَّ خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 سوى 41% من إجمالي التمويل المطلوب (1.2 مليار دولار من أصل 2.9 مليار)، وهو ما يعرقل عمليات الإغاثة.




