فوضى في السودان: السيطرة على الطرق وسباق النفوذ يهددان حياة المدنيين

كتبت – د. هيام الإبس
تجاوزت الحرب الدائرة في السودان حدود المواجهات العسكرية التقليدية بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائهما، لتدخل مرحلة أكثر خطورة تتسم بتفكك سلطة الدولة وتمدد الفوضى إلى شرايين الحياة الاقتصادية والإنسانية.
ولم يعد الصراع يقتصر على حسم السيطرة على المراكز الحضرية، بل امتد ليتجسد في تقطيع أوصال الطرق التجارية الاستراتيجية، وتفاقم المعاناة الميدانية للمدنيين بين مطرقة التصعيد العسكري وسندان الأزمات المعيشية.
أبرز أبعاد التطورات الميدانية والسياسية:
تهديد الطرق التجارية: أدى هجوم مسلح على حافلة تجارية بين الطينة والدبة إلى مقتل نحو 17 مسافراً ونهب الممتلكات.
ويعكس الحادث، إلى جانب انتشار عمليات الإعدام والابتزاز والاحتجاز قسراً، تحوّل الطرق الصحراوية والرابطة بين المدن إلى مناطق نفوذ خارجة عن القانون، مما يهدد حركة الإمدادات ويضاعف التكلفة الاقتصادية للنزاع.
اشتعال جبهة النيل الأزرق: يشهد الإقليم تصعيداً عسكرياً كبيراً في محوري الكرمك وقيسان المحاذيين للحدود الإثيوبية، وتتسم المعارك بتضارب الأنباء وتبادل السيطرة بين الجيش من جهة، وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال من جهة أخرى، في وقت تُعقّد فيه الظروف الجوية وموسم الأمطار تحركات الآليات الثقيلة وتفتح الباب أمام تداعيات إقليمية متزايدة.
تفاقم الكارثة الإنسانية: تسبب القتال في نزوح أكثر من 12 ألف شخص من قيسان والكرمك نحو الحدود الإثيوبية ومناطق آمنة داخلية وسط نقص حاد في الغذاء والدواء والإيواء.
وتضاعف المخاطر مع اضطرار الفارين لعبور الأنهار بالمراكب في ظروف مناخية قاسية، بالتوازي مع تكثيف الجيش لغاراته الجوية في الإقليم.
شلل البنية التحتية في دارفور: تشهد مدن مثل نيالا وزالنجي ورهيد البردي أزمات مياه حادة جراء تضرر المحطات ونقص الوقود وقطع الغيار. وللحد من الأزمة، بدأت السلطات المحلية في تنفيذ حلول جزئية تشمل تركيب محطات تنقية والتوسع في الاعتماد على الطاقة الشمسية وحفر الآبار.
إعادة الاصطفاف السياسي والعسكري:
المعسكر الداعم للجيش: احتفلت حركة «العدل والمساواة» بتخريج دفعة عسكرية جديدة بحضور رئيسها جبريل إبراهيم، في إشارة لتعزيز القدرات المسلحة للقوى المتحالفة مع الجيش.
التيار الإسلامي: جدد «المؤتمر الشعبي» على لسان قياداته الرفض التام لأي تحركات تُعيد التوحيد مع «المؤتمر الوطني» المنحل، رافضاً مشاركة الأخير في أي عملية سياسية لا تضع وقف الحرب كشرط أساسي.
المسار الدولي الموازي: تركز المقاربة الأمريكية على فرض هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً تتبعها آلية مراقبة، تمهيداً لوقف دائم لإطلاق النار ودمج القوات في جيش موحد. ويسعى هذا المسار إلى تغليب الحل المدني وإعادة تقديم القوى المدنية بقيادة عبد الله حمدوك، بعيداً عن منطق الحسم العسكري لأحد الطرفين.
تؤكد هذه المعطيات أن النزاع السوداني يعيد رسم الخريطة العسكرية والسياسية للبلاد؛ حيث بات الاختبار الحقيقي لا يتوقف عند إعلان وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى القدرة على فرض الهيبة الأمنية على الطرق الحدودية، واستعادة الخدمات الأساسية، وتأمين وحماية حركة المدنيين.



