أراء وقراءات

اقتصاد الانتباه.. عندما يصبح تركيزنا هو السلعة الأغلى في العالم الرقمي

بقلم/ دكتورة هناء خليفة

في عالم تتنافس فيه المنصات على أعيننا، لم يعد الانتباه مجرد لحظة عابرة.. بل أصبح موردًا تُبنى عليه صناعة كاملة من التأثير.

*الانتباه.. الثروة التي لا نراها

لم تعد المنافسة الإعلامية تدور فقط حول من يقدم المعلومة، وإنما حول من يستطيع أن يحجز مساحة أطول داخل انتباه الجمهور. كل ثانية يقضيها المستخدم أمام محتوى ما أصبحت ذات قيمة، وكل تفاعل يرسل إشارة جديدة عن اهتماماته، لتعمل الخوارزميات على تقديم المزيد مما يجذب انتباهه… وهكذا أصبح الانتباه جزءًا أساسيًا من اقتصاد المنصات الرقمية.

*المحتوى الأكثر إثارة ليس بالضرورة الأكثر أهمية

في سباق جذب الانتباه، يمتلك المحتوى الذي يثير الدهشة أو الخوف أو الغضب قدرة كبيرة على لفت الأنظار، لكن سرعة الانتشار لا تعني بالضرورة قيمة المحتوى أو دقته.

وهنا تظهر إحدى مشكلات البيئة الرقمية، قد يصبح ما يلفت الانتباه أكثر حضورًا مما يستحقه، بينما يتراجع ما يحتاج إلى قراءة وتأمل.

*الخوارزمية تعرف ما يجذبك

كل تفاعل نتركه خلفنا يساهم في تشكيل الصورة التي تتكون بها أنظمة التوصية عن اهتماماتنا. وبمرور الوقت، يمكن أن تصبح الشاشة أكثر قدرة على توقع ما سيوقفنا، وما سيجعلنا نضغط، وما سيدفعنا إلى مواصلة المشاهدة.

لكن الخطر لا يكمن في التخصيص نفسه، وإنما في أن يتحول إلى دائرة مغلقة؛ نرى المزيد مما يجذبنا، فنمنحه مزيدًا من التفاعل، فتقدم لنا الخوارزمية المزيد منه… وهكذا قد يتحول الانتباه من اختيار واعي إلى استجابة متكررة.

*عندما يتحول التشتت إلى أسلوب حياة

المشكلة ليست فقط في عدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشات، وإنما في الطريقة التي يتوزع بها انتباهنا.

خبر قصير، ثم مقطع، ثم تعليق، ثم صورة، ثم إشعار جديد.. تدفق متواصل يجعل الانتقال بين المحتويات أسرع من قدرتنا على التوقف عند بعضها وفهمها بعمق.

ومع كثرة هذا التدفق، يصبح الهدوء نادرًا، والتركيز أصعب، والقراءة المتأنية أقل جاذبية أمام محتوى مصمم ليحصل على استجابة سريعة.

*استعادة الانتباه.. مقاومة من نوع جديد

المناعة الرقمية لا تعني فقط أن نعرف كيف نحمي بياناتنا أو نتحقق من الأخبار، وإنما أن ندرك قيمة انتباهنا نفسه.

أن نختار ما نقرأ، لا أن نكتفي بما يُدفع إلينا، أن نمنح المحتوى المهم وقته حتى لو لم يكن مثيرًا، وأن نخرج أحيانًا من دائرة التوصيات الجاهزة ونبحث بأنفسنا، وأن نتوقف عن اعتبار كل ما يثيرنا جديرًا بوقتنا… ففي النهاية، ليس كل ما يطلب انتباهنا يستحقه.

*الوعي يبدأ من استعادة حق الاختيار

ربما لن نستطيع أن نوقف سيل المحتوى، ولن نعيش خارج الخوارزميات، لكننا نستطيع أن نقرر أين نضع انتباهنا.

وهنا يصبح الوعي الرقمي أكثر من مجرد معرفة بالتكنولوجيا؛ يصبح قدرة على إدارة العلاقة معها، وعلى حماية المساحة التي نحتاجها للتفكير بعيدًا عن الاستثارة المستمرة.

لأن أخطر ما يمكن أن تخسره في العصر الرقمي ليس ساعات من وقتك.. وإنما قدرتك على أن تختار بنفسك ما يستحق أن تنتبه إليه.

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى