جيبوتى

تدفق اللاجئين اليمنيين يضع جيبوتي أمام اختبار إنساني متصاعد

كتبت – د. هيام الإبس

 

في وقت تعاني فيه منطقة القرن الأفريقي من أزمات إنسانية متداخلة، تجد جمهورية جيبوتي نفسها في مواجهة اختبار إنساني واقتصادي بالغ التعقيد، ومع استمرار تصعيد القتال على الساحل الغربي لليمن، تتصاعد المخاوف الرسمية والأممية من موجة لجوء ضخمة عبر البحر الأحمر، تنذر بإبقاء البلاد تحت ضغط غير مسبوق في ظل شح حاد في التمويل الدولي.

 

تواجه جيبوتي احتمالات موجة جديدة واسعة النطاق من اللجوء القادم من اليمن، وسط تحذيرات أطلقته المنظمات الأممية من إمكانية وصول أعداد اليمنيين الفارين عبر البحر الأحمر إلى نحو عشرة آلاف شخص خلال الفترة المقبلة، وذلك على وقع استمرار القتال العنيف واتساع نطاق النزوح الداخلي على الساحل الغربي لليمن. وتأتي هذه التطورات في وقت تستقبل فيه جيبوتي آلاف الفارين بالفعل، في ظل نقص حاد في التمويل الإنساني يهدد قدرة الدولة الصغيرة على استيعاب هذه الموجة.

رحلات محفوفة بالمخاطر وتركيبة سكانية حساسة

منذ مطلع سبتمبر الجارى، خاض آلاف اليمنيين رحلات بحرية خطيرة عبر مضيق باب المندب بحثاً عن ملاذ آمن في جيبوتي، مسجلين وصول قرابة ثلاثة آلاف شخص في غضون أيام قليلة، تركز وصولهم عبر مناطق: أوبوك، خور أنجار، مولودول، وجودوريا.

وتكتسب هذه الموجة طابعاً إنسانياً معقداً نظراً لتركيبتها السكانية؛ إذ تؤكد تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن النساء والأطفال يمثلون النسبة الأكبر من الوافدين الجدد، وهو ما يضاعف من حجم التحديات، بحيث لا تقتصر الاحتياجات على الغذاء والمأوى فحسب، بل تمتد لتشمل الرعاية الصحية الأساسية، الحماية، التعليم، والدعم النفسي.

ارتباط وثيق بالوضع العسكري وتداعيات ضاغطة

تؤكد سرعة تدفق النازحين مدى التأثير المباشر للتطورات العسكرية والسياسية في اليمن على الاستقرار الداخلي في جيبوتي؛ فلم يقتصر التصعيد على الساحل الغربي على تشريد أكثر من مئة ألف شخص داخل اليمن فحسب، بل أعاد إحياء مسار الهجرة عبر باب المندب كأقرب منفذ جغرافي هرباً من جحيم القتال. ومع تحسن ظروف الإبحار المرتقبة، يخشى مراقبون أن يتحول العبور من موجة طارئة إلى تدفق مستمر يفوق القدرة التشغيلية لمراكز الاستقبال الحالية.

ويقع الضغط الأكبر على البنى التحتية المحدودة لجيبوتي التي تستضيف أصلاً عشرات الآلاف من اللاجئين وطالبي اللجوء من الصومال وإثيوبيا واليمن.

هذا التدفق الإضافي لا يقتصر تأثيره على المخيمات فحسب، بل يمتد ليطال شبكات المياه، الصرف الصحي، المرافق الصحية، المدارس، وسلاسل الإمداد في دولة ذات موارد شحيحة ومساحة جغرافية ضيقة.

تحديات قرية “مركازي” وفجوة التمويل

تبرز قرية مركازي للاجئين كنموذج حي لحجم الأزمة؛ فالقرية التي صُممت لاستيعاب نحو خمسة آلاف شخص إضافي فقط، كانت تضم مسبقاً أعداداً من اللاجئين اليمنيين والإريتريين، بينما تستعد السلطات والمفوضية لاحتمال استقبال أكثر من عشرة آلاف وافد جديد، ويُنذر هذا الاكتظاظ بمخاطر صحية وبيئية جسيمة تتجاوز أزمة المأوى لتطال مختلف الخدمات الحيوية.

وفي المقابل، يعمّق نقص التمويل من صعوبة المشهد؛ حيث لم تتلق عمليات المفوضية في جيبوتي سوى نحو 15 بالمئة فقط من إجمالي التمويل المطلوب. هذا العجز المالي يضع الحكومة الجيبوتية أمام معادلة بالغة الصعوبة بين الالتزام الإنساني بفتح الأراضي أمام الفارين، وبين عجزها المادي عن تحمل تكلفة الاستجابة وحدها دون دعم دولي عاجل.

بعد إقليمي واستراتيجي 

تتجاوز أبعاد الأزمة الحدود المحلية لجيبوتي لتلقي بظلالها على الأمن الإقليمي والتجاري لمنطقة البحر الأحمر وخليج عدن، حيث يُعد مضيق باب المندب ممراً حيوياً لحركة الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد الإنساني، ومع تداخل أزمات النزوح في القرن الأفريقي، تتحول جيبوتي تدريجياً من مجرد محطة عبور مؤقتة إلى نقطة ارتكاز محورية في الاستجابة لطوارئ النزاع اليمني، بانتظار تحرك دولي جاد يمنع تحول الأزمة إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق.

زر الذهاب إلى الأعلى