الإعلام وخطاب الكراهية: حدود التأثير ومسئولية الكلمة

بقلم / الإعلامي نبيل قشطي
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الإعلامي الرقمي برزت ظاهرة خطاب الكراهية كأحد أكثر التحديات خطورة على مستوى المجتمعات، نظرًا لما تحمله من تأثير مباشر على السلم الاجتماعي وما تخلقه من حالة استقطاب حاد بين فئات الجمهور.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن طبيعة البيئة الإعلامية الحديثة التي تعتمد على السرعة والتفاعل الفوري وانتشار المحتوى دون ضوابط كافية في كثير من الأحيان، الأمر الذي أتاح مساحة واسعة لخطابات انفعالية أو متطرفة في التعبير يتم تداولها بشكل واسع عبر المنصات المختلفة.
ويمثل خطاب الكراهية أي شكل من أشكال التعبير الذي يقوم على التحريض أو التمييز أو التقليل من شأن فئة معينة على أساس الدين أو الجنس أو العرق أو الانتماء أو غيره من أسس التمييز، وهو ما يجعله لا يندرج ضمن حرية التعبير بقدر ما يشكل تهديدًا مباشرًا للتعايش المجتمعي.
وفي هذا السياق يلعب الإعلام دورًا مزدوجًا؛ فمن جهة يمكن أن يكون أداة للحد من هذه الظاهرة عبر نشر ثقافة التسامح وتعزيز قيم الحوار وتقديم محتوى متوازن يراعي التنوع داخل المجتمع ويسهم في تقليل حدة الاستقطاب.
غير أن الإعلام في بعض صور ممارسته غير المهنية يمكن أن يتحول إلى مساحة غير مباشرة لتغذية خطاب الكراهية سواء من خلال التناول غير المتوازن لبعض القضايا أو عبر منح مساحة لخطابات استفزازية دون معالجة نقدية واضحة أو حتى عبر إعادة إنتاج المحتوى المثير للانقسام بهدف جذب التفاعل.
وتكمن خطورة خطاب الكراهية في أنه لا يتوقف عند حدود الكلمات بل يمتد أثره إلى تشكيل تصورات ذهنية سلبية تتحول أحيانا مع الوقت إلى سلوكيات فعلية تهدد استقرار المجتمع وتضعف منسوب الثقة بين مكوناته المختلفة.
ومن هنا، تصبح المسئولية الإعلامية عنصرًا محوريًا في التعامل مع هذه الظاهرة حيث يفرض الواقع الإعلامي الحديث ضرورة الالتزام بالمعايير المهنية التي توازن بين حرية التعبير وعدم الإضرار بالآخرين مع مراعاة السياق المجتمعي عند تناول القضايا الحساسة.
كما يبرز دور المتلقي في هذا الإطار باعتباره شريكًا في الحد من انتشار خطاب الكراهية من خلال عدم إعادة تداول المحتوى التحريضي والتعامل النقدي مع الرسائل الإعلامية والوعي بخطورة المشاركة غير المدروسة في نشر محتوى يساهم في تأجيج الانقسام.
وفي النهاية يمكن القول إن مواجهة خطاب الكراهية لا تقع على عاتق جهة واحدة بل هي مسئولية مشتركة بين المؤسسات الإعلامية والمجتمع والأفراد بما يضمن الحفاظ على بيئة إعلامية أكثر توازنًا قادرة على دعم التعايش بدلًا من تغذية الانقسام.
الإعلامي نبيل قشطي




