السودانالمجتمع

الرعب يزحف من النيل: التماسيح تُضيف فصلاً جديداً لمعاناة السودانيين وسط الحرب

كتبت – د. هيام الإبس

بين أهوال الحرب الطاحنة ومعاناة النزوح، يتصاعد كابوس جديد يهدد حياة السودانيين على ضفاف نهر النيل؛ حيث تسود القرى والمناطق المتاخمة للضفاف حالة غير مسبوقة من الرعب والهلع، إثر الانتشار الكثيف لعشرات التماسيح النيلية المفترسة التي باتت تجوب الشواطئ وتباغت السكان في مواقع عملهم وحياتهم اليومية.

هجمات خاطفة وفواجع على ضفاف النيل

لم يقتصر ظهور هذه الزواحف المفترسة على مناطق الولاية الشمالية ومدن مثل دنقلا، بل امتد خطره ليقترب من حدود العاصمة المتاخمة لضاحية “الكلاكلة” جنوب الخرطوم. ورغم أن وجود التماسيح في مجرى النيل يمتد لتاريخ طويل، إلا أن كثافة الظهور الحالي حولت تفاصيل الحياة اليومية للمزارعين وجالبي المياه إلى مواجهة محفوفة بالخطر.

وقد بلغت المخاوف ذروتها عقب فاجعة شهدتها جزيرة “صاي” بالولايات الشمالية، عندما باغت تمساح ضخم المزارع الشاب “عمر محمد عبد الخالق” أثناء تأدية عمله. وأمام ذهول الأهالي وسكان الجزيرة، سحب التمساح الضحية بسرعة خاطفة إلى أعماق المياه، لتنتهي المحاولات اليائسة لإنقاذه بفاجعة أردته قتيلاً داخل أفكاك المفترس، مما أعاد إلى الأذهان المخاوف القائمة بالجزيرة التي شهدت سابقاً حوادث مماثلة وظهوراً لثعابين الأصلة الجبلية العملاقة.

تقاطع أزمة المناخ والسدود: لماذا تقترب التماسيح من البشر؟

تتعدد التفسيرات حول أسباب هذا الانزياح الخطر للحياة البرية نحو المستوطنات البشرية:

  • أزمة الجفاف والسدود: يرى محمد حافظ، خبير هندسة السدود، أن المشكلة تعود لتضافر العوامل المناخية مع متغيّرات إدارة المياه؛ حيث أدت ظاهرة “النينو” إلى قلة الأمطار وتراجع المنسوب، بينما فاقم تشغيل سد النهضة الأثيوبي من حدة انحسار المياه وتعرية مداخل المحطات، وغياب التوافق الفني المشترك بين الخرطوم وأديس أبابا، ما ضاعف من حدة الأزمة البيئية.

  • تدمير البيئة الطبيعية: يوضح د. محمد المكي علي البدوي، الأستاذ بجامعة سنار، أن اقتراب التماسيح لا يعود للشراسة بقدر ما يرتبط بفقدان مناطق “التشمس” الطبيعية نتيجة التوسع الزراعي، وضجيج مضخات المياه، وتذبذب المنسوب، إلى جانب تعكر المياه في فصل الخريف الذي يوفر بيئة مثالية للتمويه.

  • سلوكيات التكاثر: يتزامن هذا الانتشار مع موسم التكاثر (بين مارس ومايو)، حيث تخرج الصغار بالتزامن مع الفيضانات للانتشار قرب الشواطئ، وتصبح الإناث أكثر شراسة في الدفاع عن أعشاشها.

ملاحظة علمية: يؤكد خبراء الحياة البرية أن الإنسان ليس جزءاً من النظام الغذائي الطبيعي للتمساح، لكن الهجمات تقع غالباً بدافع حماية الأعشاش، أو نتيجة الخطأ في التمييز داخل المياه العكرة.

تحذيرات رسمية وسلوكيات “انتحارية”

في ظل هذه الأوضاع، دعت قوات حماية الحياة البرية بالشرطة السودانية المواطنين إلى الالتزام بأعلى درجات الحيطة والحذر، وتجنب السباحة أو الاقتراب من الضفاف. وأكدت الشرطة تكثيف دوريات التمشيط على الجزر والشواطئ، مع طرح رؤية مستقبلية تعتمد على الاستثمار في مزارع التماسيح لتحقيق عائد اقتصادي ودعم التعايش الآمن.

في المقابل، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وصفها الخبراء بـ “الانتحارية”؛ أظهر أحدها رجلاً في ولاية نهر النيل يدنو من تمساح ضخم حتى “مسافة الصفر” ويضع يده عليه وسط سكون غريب من الحيوان المفترس.

وحذرت السلطات الرسمية والخبراء شديد التحذير من الشغف بهذه الاستعراضات الخطرة، مؤكدين أن هدوء التمساح الظاهري ليس إلا تكتيكاً احترافياً للتمويه يسبق هجوماً خاطفاً لا يترك أي فرصة للنجاة.

تداولات البيئة والمناخ في ظل أزمات الحرب

تستمر التماسيح في بسط رعبها على ضفاف النيل في السودان، لتؤكد أن تفاقم التغيرات المناخية والتعاطي غير المحسوب مع البيئة النهرية — في ظل الظروف الأمنية المعقدة التي تمر بها البلاد — قد يتحول في أي لحظة إلى كارثة إنسانية وإيكولوجية تدفع المجتمعات المحلية ثمنها باهظاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى