الصراط المستقيم

الصدقة بين اليقين وبين الوهم الكبير

 بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي 

قال ميمون بن مهران: “إني أتصدق وأجد مالي يزداد

فقال صاحبه: “وأنا تصدقتُ فوجدت مالي ينقص

فقال ميمون: “أنا أُعامل الله بيقين… وأنت تُجرّبه.”…

 

ليست المسألة في الصدقة ذاتها… بل في العلاقة التي تقف خلفها….

فثمة من يُنفق وهو يراقب ما يخرج من يده

وثمة من يُنفق وهو واثق بما سيأتيه من ربه….

الأول يُدير المال

والثاني يُدير المعنى

 

الوهم الكبير: “سأعطي عندما أملك

كثيرون يقولون:  “حين تكثر أموالي… سأتصدق، سأدخر، سأُحسن الإدارة

لكن الحقيقة التي لا تُقال: أن من لا يُحسن التعامل مع القليل

لن يُحسن إدارة الكثير….

 

الوفرة لا تُنشئ سلوكا جديدا… بل تكشف السلوك القديم وتُضخّمه

فالمال لا يُغيّر الإنسان… بل يُظهره على حقيقته

العطاء ليس خسارة… بل إعادة توجيه

حين تُعطي… أنت لا تُنقص ما تملك، بل تُعيد توجيه الرزق ليعود إليك بصيغة أخرى:

طمأنينة

بركة

علاقات

فرص

أو حتى أبواب لم تكن تراها… ولهذا قال بعضهم:

 “العطاء ليس إخراجا من المال… بل إدخالٌ لمعنى جديد إلى الحياة.

 

يُروى في الأثر أن صبيًا جاء إلى موسى عليه السلام ليسأل الله أن يغنيه، فقال له نبي الله : هل تريد أن يغنيك الله في الثلاثين عامًا الأولى من عمرك أم في الثلاثين عامًا الأخيرة.

وبعد تفكير اختار الصبي أن يغنيه الله في الثلاثين عامًا الأولى حتى يتمتع بالمال في شبابه، ودعى موسى عليه السلام واستجيب له وصار الصبي ثريًا جدًا.

لكن الصبي كان ينفق من ماله على المحتاجين ويفتح أبواب الرزق ويوفر فرص العمل للآخرين ويساعد الأيتام والمساكين.

وبعد انتهاء الثلاثين عامًا وجد موسى عليه السلام أن حال الرجل (فقد صار رجلا) لم يتغير وثراؤه يزداد.

 فسأل موسى عليه  السلام ربه بأن الثلاثين عامًا قد انقضت،

فقال الله له : وجدت عبدي يفتح أبواب الرزق لعبادي، فاستحييت أن أقفل باب رزقي إليه.

 

العبرة في القانون الذي تحمله القصة:

أن من يتحول إلى سببٍ في رزق الآخرين… يتحول هو نفسه إلى بابٍ لا يُغلق رزقه….

السر الذي لا يُقال:

الإنفاق لا يُنقص المال

بل يُنقص الخوف من فقدانه

والادخار لا يصنع الثروة… بل يصنع الانضباط الذي يحميها

ولهذا فالمعادلة ليست: أن تملك ثم تُعطي…بل: أن تُعطي… فتُصبح أهلاً لأن تملك….

أكرر:

ليس الغني من يملك المال… بل من تحرّر منه….

وليس العطاء أن تُخرج ما زاد عنك… بل أن تفهم أن ما عندك

 لم يكن يوما لك وحدك.

 

زر الذهاب إلى الأعلى