أخطاء شائعة في الوقف والابتداء أثناء قراءة القرآن الكريم ..الرسائل 26 و 27 و 28

إعداد الشيخ / محمد محمود عيسي
يعد علم “الوقف والابتداء” من أجلّ علوم القرآن الكريم، فهو الفن الذي يبرز جماليات النص القرآني ويحفظ معانيه من التبديل. وكثيراً ما يقع بعض القراء في فخ “الوقف القبيح” أو الوصل غير الصحيح نتيجة عدم الإلمام بالمعنى اللغوي والشرعي، مما قد يؤدي إلى قلب المعنى تماماً أو نسب ما لا يليق للأنبياء والرسل. وفي هذه السطور، نستعرض ثلاث رسائل هامة توضح مواضع الوقف الصحيحة في آيات من سور “البقرة” و”السجدة” و” الفتح ”.
الرسالة السادسة والعشرون
قال الله تبارك وتعالي : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) (سورة الكهف آية 110)
يقرأ القارئ من أول الآية هكذا : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ) ويقف هنا ______ وهذا وقف صحيح.
ولكن من الخطأ أن يبدأ قراءته بعد هذا الوقف بداية خاطئة جدًا هكذا ( يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ) هذه البداية لاتصح لأنه حينما ببدأ بعبارة ( يُوحَىٰ إِلَيَّ ) فكأنما ينسب إلي نفسه أنه يُوحَي إليه هو وذالك دون قصد وتعمّد من القارئ
ولكنها بداية غير مقبولة ولا تجوز ولا تصح _______
ولكنّ الصحيح إذا قرأ القارئ من أول الآية هكذا ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ )
ويقف هنا فوقفه صحيح ثمّ يبدأ قراءته بعد ذالك الوقف بما بعده مباشرة هكذا (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) هنا يكمل المعني ويتضح معني الآية المقصود والصحيح وهذه هي القراءة الصحيحة للآية
الرسالة السابعة والعشرون
قال الله تبارك وتعالي : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ) (الآية رقم ٤ من سورة السجدة)
يقرأ القارئ قراءة صحيحة من أول الآية هكذا (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) والوقف هنا صحيح
ثم بعد ذالك يقرأ القارئ قراءة خاطئة جدا فيبدأ قراءته ببداية خاطئة جدا هكذا (وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) بهذه البداية الخاطئة تغيُر معني الآية تماما فقد جعل خلق( مابين السماوات والأرض وحده في ستة أيام دون السماوات والأرض ) والقارئ طبعا لايقصد ذالك ولكنّه أخطأ فبدأ بداية خاطئة فتغيّر المعني
وكذالك لو بدأ نفس البداية الخاطئة وأكمل الآية حتي نهايتها يعطي نفس الخطأ
ولكن المعني الصحيح المقصود في هذه الآية هو خلق السماوات والأرض ومابينهما في ستة أيام
فإذا قرأ من أول الآية ووقف عند عبارة ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) هكذا ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) لايبدأ من عند كلمة ( وَمَا بَيْنَهُمَا )
ولكن يبدأ ويكمل الآية هكذا (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ) وإذا وقف علي عبارة (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) القراءة الصحيحة أيضا أن يبدأ مباشرة بما بعدها هكذا ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ) هذه هي القراءة الصحيحة للآية فبالقراءة الصحيحة يتضح المعني الصحيح للآية والله أعلي وأعلم
الرسالة الثامنة والعشرون
قال الله تبارك وتعالي : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا )
[سورة الفتح الآية رقم ٢٩ ]
يقرأ القارئ قراءة صحيحة هكذا ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ) هنا وقف ضروري وهو أولي حتي يتضح المعني فهذه صفات الرسول صلي الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في التوراة ثم يبدأ قراءته بعد هذا من عند قول الله تبارك وتعالي : ( وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) هذه القراءة الصحيحة تبيٌن صفات الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام في الإنجيل ثم يكمل الآية حتي نهايتها ، وهذه هي القراءة الصحيحة للآية
أما الخطأ في القراءة هو عدم الوقف علي قول الله تبارك وتعالي : ( ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) ووصلها بقول الله تبارك وتعالي : ( وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ ) ويقف هنا فهذا الوقف خاطئ جدا لأنه جعل صفاتهم السابقة كأنها موجودة في التوراة والإنجيل معًا ولكنّ الصحيح أنها في التوراة فقط أما صفاتهم في الإنجيل هي التي تخص قول الله تبارك وتعالي : ( وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ ) فهي عبارة منفصلة عما قبلها فهي تشمل الصفات التي بعدها.
دقة فهم آيات الله هي مفتاح التدبر
يؤكد الشيخ محمد محمود عيسى أن “دقة فهم آيات الله هي مفتاح التدبر”، محذراً من الفلسفة الزائدة أو “التنطع” في القراءة التي قد تؤدي إلى معانٍ لم يردها الله، داعياً المسلمين إلى تعلم الوقف والابتداء من خلال فهم المعاني التفسيرية الصحيحة.
أردت أن أبين دقة فهم معاني القرءان الكريم ودقة الوقف والابتداء.
وإعلموا أن في تعلّم القرءان وتعليمه كل الخيرية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خيركم من تعلّم القرءان وعلُمه )
هُبّوا أيها الفضلاء المسلمين والفضلبات المسلمات إلي أخذ التعلم لعلوم القرءان كأمرٍ جادٍ تفوزون بأمر الله بالخير في الدنيا والآخرة
والله أعلي وأعلم
الشيخ محمد محمود عيسى
منشاة سلطان – منوف – المنوفية




