أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (15) كيف حول د.السميط “لحظة الحماس” إلى مشروع العمر؟

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في أحد لقاءاته، تحدّث الدكتور عبد الرحمن السميط عن السنوات الأولى لعمله في إفريقيا، وكيف أن كثيرًا من المشاريع التي بدأت معه كانت تبدو صغيرة جدًا مقارنة بحجم المأساة.     بئر هنا، مدرسة هناك، وكفالة عدد محدود من الأيتام.     لم تكن الإمكانيات ضخمة، ولا الدعم مستقرًا، ولا الطريق واضحًا بالكامل.لكن ما كان واضحًا لديه منذ البداية، أن القضية ليست في “البداية”، بل في القدرة على الاستمرار.

كان يرى أن الحماس قد يفتح الباب، لكن الذي يُبقي الباب مفتوحًا… هو النفس الطويل.

ولهذا لم يتعامل مع العمل الإنساني كحالة عاطفية مؤقتة، بل كمشروع حياة يحتاج إلى صبر، وتنظيم، واستعداد لأن تمضي السنوات دون نتائج سريعة.

الاستمرار… فهو التحدي الحقيقي

كثيرون بدأوا مشاريع خيرية بحماس صادق، لكن القليل فقط عرف كيف يُحوّل الحماس إلى التزام طويل.

لأن الحماس بطبيعته لحظة مشتعلة، أما الاستمرار فهو قرار يتكرر كل يوم، حتى بعد أن تخفت المشاعر.

عبد الرحمن السميط فهم مبكرًا أن إفريقيا لا تحتاج زيارات موسمية، ولا حملات عابرة، ولا اندفاعًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء التأثر.

كانت تحتاج شيئًا أصعب بكثير: تحتاج التزامًا يمتد مع الزمن.                              لأن المأساة لا تنتهي خلال سنة، ولا تُحل بمبادرة واحدة، ولا تتراجع بسبب خطاب مؤثر أو صورة مؤلمة.

هناك جراح أعمق من أن تُعالج بسرعة، ومشكلات أكبر من أن تُختصر في مشروع واحد.

لهذا كان السميط يفكر بعقلية مختلفة. لم يكن يسأل فقط: كيف نبدأ؟

بل: كيف يستمر هذا العمل بعد عشر سنوات؟  وبعد عشرين؟
وماذا سيحدث إذا غبنا نحن؟

عقلية الزراعة: بناء المنظومة لا الفرد

العمل الإنساني الحقيقي، كما فهمه، يشبه الزراعة.
تزرع اليوم، وتسقي غدًا، وتتحمل مواسم الجفاف، ثم تصبر طويلًا قبل أن ترى الثمر.

ومن لا يملك الصبر… لن يُكمل الطريق.

السميط لم يكن يعمل وحده فقط، بل كان يبني منظومة.

كوادر محلية، ولجان متابعة، وتخطيطًا يتجاوز الأشخاص، ونظامًا يسمح للمشروع أن يعيش، حتى لو غاب صاحبه.

لأنه كان يعرف حقيقة قاسية: إذا توقّف المشروع بغياب صاحبه، فهو لم يكن مشروعًا أصلًا…
بل مجهودًا فرديًا مؤقتًا.

وهنا يظهر الفرق بين من يصنع أثرًا، ومن يصنع حضورًا.

فالاستمرارية تحتاج إلى تواضع وأن تقبل أن العمل سيستمر بدونك، وأن الأثر الحقيقي لا يجب أن يحمل اسمك في كل زاوية.

رفض فكرة المؤسس وراء عظمة التجربة 

كثيرون يحبون فكرة “المؤسس”، لكن القليل يقبل فكرة أن يصبح جندي ليستمر الخير.

عبد الرحمن السميط عندما فكر بهذه الطريقة لم يكن يريد أن يبقى مركز الصورة، بل أن يبقى العمل حيًا.

ولهذا، حين تعب… لم يتعب المشروع وهنا تظهر عظمة التجربة.

لأن كثيرًا من المبادرات تنهار بمجرد غياب صاحبها، وكثيرًا من المشاريع تموت حين يخفت حماس مؤسسها.

لكن ما بُني على نظام، وعلى رؤية بعيدة، وعلى إيمان أن الخير مسؤولية مستمرة…
يستطيع أن يعيش أطول من عمر أصحابه.

ما وراء العاطفة.. التنظيم والمسؤولية

السميط فهم أن العمل الإنساني لا يُدار بالعاطفة وحدها.
العاطفة تُشعل البداية، لكن الذي يحفظ الطريق هو المسؤولية، والتنظيم، والالتزام الطويل.

العمل الذي يستمر هو العمل الذي لا يُرهق نفسه بالظهور، ولا يحاول اختصار الطريق، ولا يتعامل مع الزمن كعدو يجب هزيمته بسرعة.

بل يفهم أن بعض التغييرات تحتاج عمرًا كاملًا… وربما أكثر.

هنا كان عمق التجربة الإنسانية لعبد الرحمن السميط

الأثر يبقى والذكر يدوم

لم يكن السميط يبني مشروعًا من أجل لحظة إعجاب، بل كان يبني أثرًا يعرف مسبقًا أنه قد لا يرى نهايته كاملة وهذا مستوى نادر من الإخلاص.

أن تعمل لشيء قد يكبر بعدك، وأن تزرع وأنت تعرف أن غيرك ربما سيحصد فالحياة مليئة بالبدايات الجميلة، لكن العالم لا يتغيّر بالبدايات وحدها.

ما يصنع الفرق الحقيقي… هو الذين يعرفون كيف يُكملون الطريق حين يصبح مرهقًا، وحين يختفي التصفيق، وحين يتحول الحماس إلى مسؤولية يومية ثقيلة.

عبد الرحمن السميط لم يكن استثنائيًا لأنه بدأ، بل لأنه استمر.

استمر رغم التعب، ورغم بطء النتائج، ورغم قسوة الطريق ولهذا بقي أثره.

لأن الخير الذي يُبنى للصورة… يختفي سريعًا أما الخير الذي يُبنى للنفس الطويل… فيبقى،
ويكبر، ويعبر الزمن… حتى بعد رحيل صاحبه.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى