أخبار العالم

ترسانة القذافي المنهوبة: قنبلة تُغذي الإرهاب وتُعطل التنمية في الساحل ونيجيريا

كتبت – د. هيام الإبس

أعاد تحذير أممي جديد سلط الضوء على واحدة من أعقد الأزمات الأمنية في القارة الأفريقية، مؤكداً أن الأسلحة المنهوبة من مخازن الجيش الليبي عقب سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 لا تزال تُشكل العصب الحيوي للتنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، وتدفع بالمنطقة نحو دورات متتالية من العنف والانقلابات وتداعي الاستقرار.

اعتراف أممي وتحذير من أسلحة المستقبل

في تصريحات تعكس إدراكاً دولياً متزايداً لخطورة الملف، أكدت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح، “إيزومي ناكاميتسو”، أن الأسلحة التي تم تحويلها أو نهبها من ليبيا ظهرت مجدداً في مسارح عمليات بكل من النيجر وبوركينا فاسو ونيجيريا.

وأوضحت ناكاميتسو أن “انتهاء النزاعات المسلحة لا يعني انتهاء دورة حياة السلاح”، مشيرة إلى أن هذه الترسانات تواصل التنقل عبر الحدود الهشة لسنوات طويلة.

كما قرعت المسؤولة الأممية ناقوس الخطر بشأن ظهور تحديات نووعية جديدة، أبرزها انتشار “الأسلحة الشبح” (الأسلحة غير المرقّمة والمجمّعة من قطع مختلفة) واستخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد لتصنيع الأسلحة خارج نطاق الرقابة التقليدية، ما يُصعّب من مهمة تتبعها.

تأثير الدومينو: كيف امتدت النيران من ليبيا إلى الساحل؟

شكل انهيار المنظومة الأمنية في ليبيا عام 2011 نقطة انطلاق لأكبر موجة تهريب سلاح شهدتها القارة في التاريخ الحديث.

وتُشير التقديرات الأممية والأفريقية إلى أن مئات الآلاف من قطع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، إلى جانب الذخائر والصواريخ المحمولة على الكتف (MANPADS)، تدفقت عبر الصحراء الكبرى باتجاه دول الجوار:

مالي (شرارة الانهيار الأول): عاد آلاف المقاتلين الطوارق من ليبيا بأسلحة ثقيلة ونوعية، مما فجّر تمرد عام 2012، وهو الفراغ الذي استغلته سريعاً تنظيمات مثل “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” و”أنصار الدين” للسيطرة على شمال البلاد.

نيجيريا (تطوير قدرات الإرهاب): لم تعد الأسلحة تقتصر على “بوكو حرام”، بل وصلت إلى تنظيم “داعش في غرب أفريقيا” (ISWAP)، ما مكنه من تنفيذ هجمات نوعية وأكثر جسارة ضد قواعد عسكرية وأهداف مدنية في الشمال الشرقي.

النيجر وبوركينا فاسو: تحولت النيجر إلى شريان وحلقة وصل رئيسية لشبكات التهريب بحكم حدودها الصحراوية الممتدة مع ليبيا، بينما شهدت بوركينا فاسو منذ 2016 تصاعداً غير مسبوق في العنف المسلح جراء تدفق السلاح المتطور.

توتّر أمني إقليمي: دفعت النشاطات المسلحة عبر الحدود كلاً من تشاد والجزائر وتونس إلى رفع حالة الاستنفار العسكري والتفتيش الاستخباراتي لمنع تسلل السلاح والتنظيمات المتربصة.

تكلِفة مادية وبشرية: الإرهاب على حساب التنمية

أكدت التقييمات الأممية أن أزمة انتشار السلاح لم تعد مجرد تحدٍ أمني، بل تحولت إلى عائق هيكلي أمام التنمية وحقوق الإنسان؛ إذ تضطر دول المنطقة إلى استنزاف ميزانياتها المحدودة في الإنفاق العسكري والأمني على حساب قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية.

“إن استمرار تداول هذه الأسلحة يعني إعادة إنتاج الأزمات وتعميق الفقر والنزوح، مما يخلق بيئة خصبة تتيح للتنظيمات المتطرفة تجنيد الشباب والمحبطين.”

إيزومي ناكاميتسو، الممثلة السامية الأممية لشؤون نزع السلاح

ضرورة المقاربة الإقليمية الشاملة

ورغم استمرار العمل بـ “برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الأسلحة الصغيرة” 2001 و”الآلية الدولية للتتبع” 2005، يعتقد خبراء أمميون وأفريقيون أن المواجهة الحقيقية تتطلب تجاوز الحلول الأمنية الفردية.

وبات من الضروري بناء مقاربة إقليمية متكاملة تقوم على:

  1. تأمين حدود ليبيا الجنوبية وتفعيل الرقابة المشتركة.
  2. تعزيز التنسيق الاستخباراتي بين ليبيا ودول الساحل ومجموعتي “إيكواس” والاتحاد الأفريقي.
  3. تحديث آليات التسجيل والتتبع لمواجهة الأسلحة المطبوعة تقنياً والتكنولوجيا المستحدثة.

خلاصة:

يظل التحذير الأممي بمثابة تذكير صارم بأن الحروب لا تنتهي بمجرد وقف إطلاق النار؛ فالسلاح الذي يخرج عن نطاق الدولة يظل قادراً على إعادة إشعال الحرائق الصامتة لسنوات طويلة، متجاوزاً الحدود وراسماً خريطة لا أمنية تمتد من الشواطئ الليبية وحتى أعمق نقطة في غرب أفريقيا.

زر الذهاب إلى الأعلى