حقيقة الأرضين السبع بين النصوص الشرعية والأساطير الخرافية.. رؤية جيولوجية إيمانية

بقلم / الدكتور سعد كامل
تتفاوت مفاهيم البشر حول حقيقة بنية السماوات السبع والأرضين السبع تفاوتا كبيرا، ولعل سبب ذلك التفاوت هو عدم وجود نصوص حاسمة تشرح طبيعة تلك السماوات والأرضين، بل توجد في التراث البشري الكثير من الأساطير حول ذلك الركن الغامض من الكون، ويمكن إيجاز مصادر تلك المفاهيم في ثلاثة مصادر تتضمن: 1) النصوص الشرعية، و2) المصادر العلمية من علوم الفلك والكونيات، و3) الأساطير الشعبية والفلسفية.
وحيث أن كاتبنا أستاذا جامعيا في الجيولوجيا يعتمد البحث العلمي كطريقة للتفكير، ويختار من المصادر المتاحة أكثرها مصداقية حتى تأتي النتيجة المختارة في صورة جيدة، ويمكن دعم التفاصيل فيها على أسس صحيحة بقدر الإمكان.
وعليه يقدم المقال الحالي صورة موثقة حول حقيقة الأرضين السبع بناء على التكامل المعرفي بين العلوم المادية والعلوم الشرعية… أما الجانب المبني على الأساطير فسوف نعرض نموذجا منه لتوضيح سلبيات هذا النموذج، وتوضيح الأسس العلمية لرفضه ولعدم العمل به.
أولا: أساطير الأرض المجوفة:
تقدم موسوعة المعارف المشهورة على شبكة المعلومات الدولية (ويكيبيديا) تعريفا موجزا للأرض المجوفة على أنها فرضية خيالية تزعم أن كوكبنا عبارة عن كتلة مجوفة ذات فراغ داخلي هائل، ويعتقد البعض أنها مأهولة بحضارات متقدمة، وان لها شمس داخلية. ويمكن تلخيص ابرز تفاصيل هذه النظرية فيما يلي:
أ) أصل النظرية: تذكر ويكيبيديا أن الذي اقترح هذه النظرية هو الفلكي البريطاني إدموند هالي (مكتشف مذنب هالي)، حيث اقترح أن كوكبنا يتكون من قشرة خارجية سمكها 800 كم تحيط بأجسام كروية داخلية وغلاف جوي مضيء، وذلك لتفسير الشذوذ في الحقول المغناطيسية.
ب) نموذج آخر تفصيلي: تذكر صفحة “خفايا” على الفيس بوك في فيديو عن الأرض المجوفة أن الأرضين السبع تتواجد كتجاويف سفلية داخل كرتنا الأرضية، وتذكر بعض التفاصيل عن هذه الأرضين السبع وفقا للإمام الثعالبي (من فقهاء القرن الرابع عشر الميلادي) الذي ذكر أوصاف ساكني كل أرض ضمن الطبقات المجوفة، لكن عدد من علماء أهل السنة اعتبروا أن هذا الوصف من الإسرائيليات ولا يجوز نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم…. وقد ذكرت صفحة “خفايا” على الفيس بوك وصف تلك الأرضين كما يلي:
- الأرض الأولى (بها كائنات تعرف القوى الخفية).
- الأرض الثانية (بها كائنات وكنوز لا يعرفها البشر).
- الأرض الثالثة (أرض الضباب الأبدي).
- الأرض الرابعة (أرض العمالقة).
- الأرض الخامسة (ارض النار والدخان).
- الأرض السادسة (أرض كائنات حكيمة أكثر تطورا من البشر).
- الأرض السابعة (أعمق الأراضي وأكثرها ظلاما، لا يعود منها أحد).
والصورة التالية عبارة عن لقطة شاشة للأرضين السبع من تصوير الذكاء الاصطناعي في صفحة “خفايا”.
صورة (1): عدد من الأرضين السبع حسب رسم الذكاء الاصطناعي (من صفحة “خفايا”).
ت) منافذ العالم السفلي: تذكر ويكيبيديا أن أساطير الأرض المجوفة تتضمن منافذ للعالم السفلي منها: 1) القطب الشمالي والقطب الجنوبي، 2) منطقة مثلث برمودا، 3) أسفل الهرم الأكبر في مصر.
ث) الأدلة العلمية على دحض الفرضية: أثبتت الدراسات الجيولوجية استحالة وجود تجاويف ضخمة داخل كوكب بحجم الكرة الأرضية وذلك لما يلي:
- قوة الجاذبية: تؤدي تلك القوة نحو مركز الأرض إلى انهيار الأسطح الفاصلة بين تلك الأرضين على الفراغ أسفل كل منها.
- طبقات الكرة الأرضية: أثبتت دراسات الموجات الزلزالية أن الأرض مصمطة وغير مجوفة، حيث تتضمن 4 طبقات كبرى (هي القشرة والوشاح ثم اللب الخارجي والداخلي) دون فراغات.
ثانيا: تطور مفهوم بنية الكون مع الزمن:
تجدر الإشارة هنا إلى إحدى السنن الإلهية حول استكشاف الكون، وهذه السنة هي سنة الواقعية، أي أن الله تبارك وتعالى جعل مهمة استنتاج مفهوم الكون من الإشارات الموجزة ضمن آيات القرآن الكريم، وضمن الأحاديث النبوية الشريفة، فعندما يقوم المهتمون من المؤمنين باستنتاج مفهوم الكون الكبير وأبعاد الكون وقصة خلق الكون، فإن ذلك من تفعيل سنة الواقعية (أي الأفعال التي تتم بأيدي الخلق)، وذلك على سبيل السير في الأرض للبحث عن كيفية بدء الخلق كما جاء في قوله تعالى من سورة العنكبوت: ((قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)).
ومن أمثلة الأمور التي استكشفها البشر وفق سنة الواقعية ما نعرفه عن مفهوم الذرة في علوم الفيزياء والكيمياء، حيث كانت الحضارة الإغريقية تعتبر أن المادة تتكون من أربعة أشياء (الماء والهواء والنار والتراب)، ثم جاءت نظرية دالتون التي تعتبر المواد تتكون من كرات دقيقة عليها شحنات، ثم توالت النظريات حتى وصلنا إلى النظرية الذرية الحديثة بعد دراسة بوهر لمستويات الطاقة في الذرة.
وقد سارت الأمور فيما يخص مفهوم الكون في مسار مشابه لتطور مفهوم الذرة (صورة 2) وتتضمن المراحل التالية:
صورة 2: مراحل تطور مفهوم بنية الكون الكبير.
- نموذج بطليموس للمجالات السماوية التي مركزها الكرة الأرضية (من الحضارة الرومانية).
- نموذج كوبرينيكوس (منتصف القرن 16) مجالات سماوية مركزها الشمس.
- نموذج الكون المدرك (بعد تطور التليسكوبات، وتوسع مفهوم الكون في علوم الكونيات)، وقد بلغ عدد المجرات في الكون المشاهد بالتليسكوبات 300 ألف مليون مجرة بينها مسافات هائلة، ويصل نصف قطر الكون المدرك إلى 13600 مليون سنة ضوئية (السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة أرضية وتصل إلى حوالي 10 تريليون كم).
- نماذج مفهوم الكون الكبير الذي يتكون من السماوات السبع والأرضين السبع والعرش المجيد، وقد اعتمد عُمَري (2004، شكل 1) نموذجا من القشرات الكروية متحدة المركز للأرضين السبع (في مركزها جهنم)، وتحيط السماوات السبع بالأرضين السبع وتبتعد طبقات السماوات والأرضين عن بعضها مسافات هائلة.
شكل 1: نموذج عُمَري (2004) للأرضين السبع تحيط بجهنم في المركز، والبناء السماوي يحيط بالأرضين من الخارج، وتقع مجرتنا بين الأرض الأولى والبناء السماوي الأول.
- ثم جاء السمان (2017) ليقترح نموذجا من سبعة قشرات كروية متحدة المركز للسماوات السبع (صورة الغلاف)، وفوق كل منها أرضا من الأرضين السبع، وقد اتفق كامل (2019) مع السمان على اعتبار هذا النموذج معبرا عن حقيقة السماوات السبع والأرضين السبع (فيكون جسم السماوات السبع ممثلا لسبعة طوابق ويعلو كلا منها أرضا).
- كما أضاف كامل (2019) أن الكرة الأرضية ليست من الأرضين السبع لأنها عبارة عن كوكب يقع ظاهريا في مركز الكون المدرك، ولا يرقى هذا الكوكب لأن يضم الأرضين السبع داخله، كما أن الأرضين السبع تعتبر هائلة الاتساع فلا يمكن استيعابها داخل الكرة الأرضية، ويتفق عُمَري (2004) مع ذلك إذ أنه لا يعتبر الكرة الأرضية من الأرضين السبع، وقد أكد عُمَري على أن علمي الفلك والكونيات لم يتوصلا إلى شيء عن بنية السماوات السبع والأرضين السبع، ويرى الكاتب الحالي أن سبب ذلك هو أن تلك العلوم تتعامل مع الكون المدرك فقط من خلال أجهزة الرصد والتليسكوبات الضوئية والرادارية، أما ما يتضمنه الكون خارج حدود الكون المدرك فهو من أمور الغيب ولا يمكن معرفة شيء عنه إلا من خلال الوحي.
- وأضاف كامل (2019) أيضا وفق فهم الأحاديث النبوية في هذا السياق أن السماوات السبع تنقسم إلى نصف علوي باتجاه العرش فيه الجنة فوق الأرضين السبع العليا، وجزء سفلي بعيدا عن العرش فيه النار فوق الأرضين السبع السفلى (شكل 2).
شكل 2: للكون اتجاهين/ السماوات العلى وفيها الجنة (السهم الأخضر)،
والسماوات السفلى وفيها النار (السهم الأحمر).
- وقد استنتج كامل (2019) من النصوص الشرعية أن السماء الدنيا تشير إلى الكون المدرك بما فيه من 300 ألف مليون مجرة مجتمعة في 10 مليون عنقود مجري عملاق (حسب ناسا)، واستنتج أيضا أن سمك كلا من السماوات السبع يضاهي نصف قطر الكون المدرك، وكذلك المسافة بين كل اثنين من السماوات وبين كل اثنين من الأرضين (السماوات السفلى) تضاهي نصف قطر الكون المدرك.
- ومن ثم قام كامل (2023) بحساب أبعاد الكون (جدول 1) وفق ما ورد أعلاه، وما جاء في بعض الأحاديث وروايات المفسرين حيث اتضح أن الكون المدرك هائل الاتساع يمثل فقط 3 أجزاء من مليون جزء من الكون الكبير، ومكونات الكون الكبير تتسم بالضخامة والجلال مما يؤكد عظمة الخالق سبحانه وتعالى.
(((الجدول رقم1)))
ثالثا: أهمية التكامل المعرفي في فهم حقيقة السماوات السبع والأرضين السبع:
يعتبر التفكر في مفهوم الكون الكبير ومكوناته من ضروب التكامل المعرفي بين العلوم المادية والعلوم الشرعية، فالعلم الحديث يثبت مدى اتساع الكون المدرك (نق = 13600 مليون سنة ضوئية)، ثم تأتي النصوص الشرعية من الآيات التي تصف الكون الكبير (وتفسيراتها)، وكذلك الأحاديث الشريفة التي تذكر مكونات الكون الكبير (خاصة أحاديث الإسراء)، وحديث مسيرة 500 عام التي تعتبر وحدة للمسافات الكونية (حيث أن سمك كل سماء من السماوات السبع وسمك كل أرض من الأرضين السبع تساوي مسيرة 500 عام، وكذلك المسافات البينية بين كل اثنين من السماوات والأرضين).
وعليه اقترح الكاتب الحالي دمج المعلومات المتاحة عن أبعاد الكون المدرك مع الإيماءات الواردة في الآيات والأحاديث والتفاسير حول مكونات الكون الكبير، وذلك يعتبر مقدمة لاستكمال الدراسات حول مفهوم الكون الكبير، من خلال متابعة دراسة تفسير مئات الآيات القرآنية التي تتناول جزئيات مفهوم الكون الكبير.
هنا نتوقف أمام ما ورد حول الأرض المجوفة، وادعاء أن الأرضين السبع عبارة عن تجاويف أسفل القشرة الأرضية العليا (كما ورد في ويكيبيديا، وفي فيديوهات “خفايا” وغيرها)، نتوقف لرفض تلك الادعاءات الخرافية حيث أننا نمتلك ثروات مكنونة في تراثنا الزاهر عن أوصاف مكونات الكون الكبير، ولعل استكمال هذا البحث في قابل الأيام أن يوضح الضعف الشديد لأساطير الأرض المجوفة… مع التأكيد على أن الحق المبين بين سطور القرآن الكريم وصحيح الحديث النبوي الشريف…. وبالله التوفيق
المراجع:
- إسلام ويب، (2012): حول قوله تعالى: ومن الأرض مثلهن.
- السمان، عبد الرحمن (2017، اتصال شخصي) حول بناء السماوات والأرض، رؤية علمية إيمانية. المؤتمر العلمي الدولي الخامس بكلية اللغة العربية – جامعة الأزهر بالزقازيق.
- خفايا (2026): الأراضين السبع تحت الأرض.
- عمري، حسين (2004): الأرضون السّبع وتوزيع الصفائح المجرِّيّة الضخمة على نطاق كوني واسع، مجلة كلية المعارف الجامعة – الأنبار- العراق عدد 6، السنة الخامسة.
- كامل، سعد (2019): مفهوم الكون بين النقل والعقل، دار نور للنشر.
- كامل، سعد (2023): رؤية إيمانية مقترحة حول أبعاد الكون، موقع وضوح الإخباري.
- معلمي، خليل (2011) وهم نظرية الانفجار العظيم ووجود الأراضي السبع، موقع أهل القرآن.
- ويكيبيديا: أرض مجوفة.
د.سعد كامل
أستاذ مشارك في الجيولوجيا
الإسكندرية – مصر
saadkma2005@yahoo.com









