صور الكيد ورعايته بين الرجل والمرأة : قراءة جديدة في سورة يوسف

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي
في تسقّط تاريخي للمفاهيم الثقافية والمجتمعية، ظل مفهوم “الكيد” محصوراً في الوجدان الجمعي بوصفه صنيعاً أنثوياً خالصاً، تهمة أُلصقت بالمرأة نتيجة فهم أحادي ومبتور للنص القرآني. إلا أن القراءة المتأملة لقصة نبي الله يوسف عليه السلام تفتح الباب لإعادة قراءة اللفظة ودلالاتها النفسية واللغوية؛ لتكشف أن الكيد ليس حكراً على النساء، بل هو طاقة إنسانية وتدبير محايد يتكيف وفق دوافع صاحبه بيئياً ونفسياً.
من الجُب إلى السجن: بين حقد الرجال وفرط الحب
تتجلى المفارقة الأولى عند النظر في مسببات البلاء الذي تعرض له يوسف عليه السلام، حيث تبرز المقارنة بين دافعين مختلفين تماماً:
-
كيد الرجال: كان أداة ألقى بها الإخوة يوسف في غيابات الجُب، وكان محركها الأساسي الحقد والحسد.
-
كيد النساء: أفضى به إلى السجن، لكنه كان صنيعة فرط الحب الشغوف والتعلق.
ومن هنا يتضح أن الكيد ليس حرفة نسائية كما يُروج، بل سلوك إنساني مارسه الرجال والنساء على حد سواء وبدوافع متباينة.
«عظيم» أم «كيداً»؟.. اللغويات تفكك أسطورة الكيد
إذا كانت الآية الكريمة قد وثّقت كيد النساء بصفة «إنّ كيدَكنّ عظيم»، فإن النص القرآني وثّق كيد الرجال بأسلوب أكثر توكيداً وثباتاً في قوله تعالى: «فيَكيدوا لَك كَيداً».
ففي قواعد النحو، يأتي المفعول المطلق ليؤكد الفعل وينفي أي مجاز، مما يثبت حقيقة كيد الرجال وبشاعته حين يتحول إلى حقد، مؤكداً أن للرجال نصيباً وافراً وقاسياً من هذه الصفة.
الفرق الجوهري: كيد النساء في القصة كان بدافع الرغبة والحب والاحتواء (وإن كان منحرفاً)، بينما كيد الإخوة (الرجال) كان بدافع الحسد والإقصاء والقتل أو التغييب (الحقد). والقاء الإنسان في الجُبّ (الموت البطيء) أشق وأقسى من إلقائه في السجن.
سلاح جبر الضعف وطاقة التدبير المحايدة
خلق الله المرأة بأرق المشاعر وأقل قوة في البنية الجسدية، وجعل التفكير والتدبير (الكيد) سلاحاً فطرياً لتعويض فارق القوة ومداراة الرقة. والتدبير في أصله مفهوم محايد:
-
التدبير «لك»: يتحول إلى حكمة، وحماية، وسند (كما تجلى في موقف السيدة خديجة رضي الله عنها مع النبي ﷺ).
-
التدبير «عليك»: يظهر كسلاح دفاعي وحيلة عندما تشعر المرأة بالخطر أو الظلم.
فالكيد ليس مستحضر تجميل تضعه المرأة باختيارها، بل هو فطرة مرتبطة بحسن التصرف وقدرة التدبير.
مسؤولية المجتمع: نحن من نُخرج أجمل ما في النساء أو أسوأه
تشبه طبيعة المرأة ناعم الملمس الذي يحمل في طياته الحماية؛ فإذا شُعرت بالإهانة أو التهميش وعُوملت كأثاث في البيت، فإنها تُستثار لتدفع الظلم عن نفسها.
إن سلوك المرأة وكيدها غالباً ما يكون ردة فعل للبيئة المحيطة بها، فالرجل هو من يملك الخيار ليجعل من طاقة التدبير لدى المرأة سيفاً يحارب به في صفه، أو خنجراً يُوجه ضده، مما يضع المسؤولية على كيفية التعامل والرعاية.



