احدث الاخبارالرياضة

عندما يرصد المستطيل الأخضر استفتاء الجماهير العربية للوحدة (2) الدم والدموع… حين تتكلم الهوية بعفوية

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

 

في كأس العالم 2026، لم تقتصر المنافسات على الملاعب الخضراء، بل تحولت المدرجات والشاشات والبيوت العربية إلى استفتاء شعبي عفوي يعكس قوة الانتماء والوجدان المشترك بين الشعوب بعيدًا عن أي توجيهات رسمية.

لغة المشاعر: حين تصوت الشعوب بالقلوب لا الصناديق

هناك لحظات لا تحتاج فيها الهوية إلى تعريف، لأنها تظهر في دمعة، وتُسمع في هتاف، وتُقرأ في عناقٍ لا يعرف أصحابه لماذا حدث، لكنه حدث لأن القلب كان أسرع من العقل.

لا أعتقد أن الهوية الحقيقية تُختبر في أوقات الهدوء فالإنسان يستطيع أن يتحدث عن انتمائه في الخطب، وأن يكتبه في السير الذاتية، وأن يردده في المناسبات الرسمية، لكن الهوية لا تكشف وجهها الحقيقي إلا عندما تتجاوز الحسابات، وتتصرف بعفوية كاملة.

لهذا، فإن أكثر ما شد انتباهي في كأس العالم 2026 لم يكن عدد الأهداف، ولا المفاجآت الكروية، ولا ذلك الحارس الذي تصدى لركلة مستحيلة، ولا حتى حجم الجماهير التي ملأت المدرجات.

كان المشهد الأكثر عمقًا يحدث بعيدًا عن الكاميرات الرئيسية، في زوايا البيوت العربية، وعلى أرصفة المقاهي الشعبية، وفي هواتف المغتربين الذين يتابعون المباريات من أقاصي الأرض شيء آخر يتحرك في صمت شيء لا يظهر في جداول الإحصاءات، ولا تقيسه شركات التحليل الرياضي، ولا يدخل ضمن حسابات الاتحاد الدولي لكرة القدم.

 الهوية العربية تستيقظ من جديد

لم يكن أحد قد دعا الجماهير إلى التوحد، ولم تصدر بيانات رسمية تحث الناس على تشجيع منتخب عربي دون آخر، ولم تُطلق حملات إعلامية منظمة لتوجيه المشاعر ومع ذلك، حدث ما يشبه الاستفتاء الشعبي الأكبر في تاريخ الرياضة العربية الحديثة.

استفتاء لم تُفتح له صناديق اقتراع، بل فُتحت له القلوب وفازت فيه فكرة واحدة فقط: أننا أقرب إلى بعضنا مما نعتقد.

في السياسة، كثيرًا ما تُقاس العلاقات بين الدول بحجم الاتفاقيات الموقعة، وعدد الزيارات الرسمية، وحجم التبادل التجاري.

لكن الشعوب تملك لغة أخرى أكثر صدقًا وأقل تعقيدًا:

  • لغة الدموع.
  • ولغة الفرح.
  • ولغة الانتماء الفطري الذي لا يحتاج إلى إذن من أحد.

معركة الجماهير العربية في مونديال 2026 

فبينما كانت المنتخبات العربية تخوض معاركها الكروية على المستطيل الأخضر، كانت الجماهير العربية تخوض معركة أخرى أكثر أهمية؛ معركة إثبات أن الروابط الحقيقية لا تموت مهما تراكم فوقها غبار السنوات.

في كل مباراة كان هناك سؤال خفي يطرح نفسه على الملايين: هل ما زلنا نشعر أننا ننتمي إلى فضاء عربي واحد؟                                                            وكانت الإجابة تأتي تلقائيًا من المدرجات والشاشات والبيوت بصوت مرتفع نعم.

لقد تحولت كل مباراة عربية إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي المفتوح

  • حين كانت الجماهير تهتف لمنتخب عربي لا يحمل جنسيتها، كانت تدلي بصوتها.
  • وحين كانت الأعلام العربية المختلفة ترفرف جنبًا إلى جنب، كانت تدلي بصوتها.
  • وحين كانت الدموع تنهمر بعد انتصار أو خسارة، كانت تدلي بصوتها أيضًا.

لقد قالت الشعوب كلمتها دون أن تنطق بها قالتها بالمشاعر وربما تكون المشاعر أصدق من الكلمات أحيانًا.

حلم الجماهير العربية في مونديال 2026

من يتأمل المشهد العربي خلال كأس العالم يكتشف أن الجماهير لم تكن تشجع فرقًا كروية فقط، بل كانت تدافع عن صورة جماعية تريد أن تراها مرفوعة أمام العالم.

عندما يسجل لاعب عربي هدفًا في مرمى أحد كبار المنتخبات العالمية، لا يشعر المشجع العربي بأن منتخبًا معينًا فقط هو من تقدم في النتيجة، بل يشعر أن جزءًا من كرامته هو الذي تقدم وأن جزءًا من الحلم العربي هو الذي اقترب خطوة إلى الأمام لهذا كانت ردود الفعل متشابهة بشكل لافت

  • الفرحة نفسها في الرباط والقاهرة.
  • الدعاء نفسه في بغداد وعَمّان.
  • القلق نفسه في الرياض وتونس.
  • والدموع نفسها في الجزائر والدوحة.

وكأن هناك قلبًا عربيًا عملاقًا يخفق في وقت واحد، ثم يوزع نبضاته على ملايين الصدور.

الهوية ليست قرارًا إداريًا

لقد أثبتت كرة القدم شيئًا عجزت عن إثباته كثير من النظريات السياسية أثبتت أن الهوية ليست قرارًا إداريًا وليست بندًا في اتفاقية وليست شعارًا يرفع في المناسبات.

الهوية الحقيقية هي ذلك الشعور الذي يخرج تلقائيًا عندما تُختبر المشاعر.

لهذا كان أكثر ما أدهشني في هذا المونديال أن أحدًا لم يكن بحاجة إلى إقناع الجماهير بأن تشجع بعضها بعضًا كان الأمر يحدث بصورة طبيعية تمامًا كأن المشجع العربي كان يعود إلى ذاته الأولى إلى تلك المنطقة العميقة من الوجدان التي لم تستطع الخلافات العابرة أن تمحوها ربما نختلف في التفاصيل وربما تختلف السياسات والمصالح والظروف.

لكن حين جاءت لحظة الاختبار الحقيقي، ظهر ما هو أعمق من كل ذلك ظهرت الهوية والانتماء.

المثير للتأمل أن هذا التلاحم لم يكن نخبويًا ولم يكن حكرًا على المثقفين أو أصحاب المشاريع الفكرية، بل جاء من الناس العاديين من بائع القهوة، وسائق الحافلة، والعامل البسيط، والطالب الجامعي، والأم التي كانت تتابع المباراة وهي ترفع يديها بالدعاء.

هنا تكمن أهمية ما حدث

لأن الشعوب عندما تعبر عن مشاعرها بعفوية، فإنها تكشف عن حقيقتها أما حين تُجبر على التعبير، فإنها غالبًا ما تعكس ما يُطلب منها لا ما تؤمن به وفي كأس العالم لم يكن هناك إجبار لم يكن هناك توجيه كان هناك فقط شعور إنساني صادق خرج من أعماق الناس لهذا كان أكثر قوة وتأثيرًا.

لقد بدا المستطيل الأخضر وكأنه مرآة ضخمة مرآة عكست ما يدور داخل النفوس العربية بعيدًا عن الضوضاء اليومية فبينما كانت الشاشات تنقل المباريات، كانت تنقل معها رسائل أخرى أكثر عمقًا.

رسائل تقول إن الشعوب ما زالت قادرة على الاجتماع حول حلم مشترك وأنها ما زالت تفرح لبعضها البعض وأنها ما زالت ترى في نجاح أي عربي نجاحًا لها وهذه ليست مسألة رياضية، بل مسألة حضارية وثقافية وإنسانية لأن الأمم الحية لا تُقاس فقط بما تملكه من ثروات أو جيوش أو مؤسسات، بل تُقاس أيضًا بقدرتها على الحفاظ على وجدانها المشترك.

والوجدان العربي، رغم كل ما تعرض له من اختبارات، أثبت في هذا المونديال أنه ما زال حيًا وربما لهذا السبب بالذات كانت بعض الدموع التي رأيناها أكثر أهمية من الأهداف نفسها.

  • دموع المشجع الذي بكى فرحًا لانتصار منتخب عربي لا ينتمي إلى بلده.
  • ودموع الطفل الذي حلم بأن يرى يومًا منتخبًا عربيًا يرفع الكأس.
  • ودموع الأمهات اللواتي رأين في تلك اللحظات صورة جميلة لأمة أنهكتها الأخبار الثقيلة.

لم تكن تلك دموع رياضة فقط، بل كانت دموع انتماء ودموع اشتياق ودموع أمل.

وإذا كان للمونديال أن يترك إرثًا حقيقيًا في ذاكرتنا العربية، فليس عدد الأهداف المسجلة، ولا أسماء النجوم الذين تألقوا.

بل تلك الحقيقة البسيطة التي كشفها أمام الجميع: أن الشعوب العربية لا تحتاج إلى من يعلمها معنى الأخوة فإنها تعرفه جيدًا وتعيشه كلما سنحت لها الفرصة وأن المسافات التي تبدو كبيرة على الخرائط، تصبح صغيرة جدًا عندما تتحرك القلوب في الاتجاه نفسه.

مشروع عربي دائم للحياة

وعندما تنطفئ أضواء البطولة، وتعود الملاعب إلى هدوئها، وتصبح المباريات جزءًا من الأرشيف، سيبقى سؤال واحد معلقًا في الذاكرة:

إذا كانت كرة القدم استطاعت أن تكشف هذا القدر من المحبة والتقارب بين الشعوب العربية خلال أسابيع قليلة، فماذا يمكن أن يحدث لو تحولت هذه الروح إلى مشروع دائم للحياة؟

  • ماذا لو انتقلت لغة التشجيع إلى لغة تعاون؟
  • ولغة الاحتفال إلى لغة بناء؟
  • ولغة المدرجات إلى لغة مستقبل مشترك؟

إن ما رأيناه في كأس العالم لم يكن مجرد بطولة رياضية ناجحة كان نافذة أطللنا منها على أنفسنا ورأينا فيها الحقيقة التي حاولت السنوات أن تخفيها رأينا أن الدم العربي ما زال يتعرف إلى الدم العربي وأن الدموع ما زالت تفهم لغة الدموع وأن الهوية الحقيقية لا تحتاج إلى خطابات طويلة كي تعلن وجودها فهي تظهر تلقائيًا عندما يفرح الناس معًا وتظهر أوضح عندما يحزنون معًا.

مونديال 2026 في الذاكرة العربية أكثر من مجرد بطولة

لهذا سيبقى مونديال 2026 في الذاكرة العربية أكثر من مجرد بطولة.

سيبقى شاهدًا على لحظة نادرة تكلمت فيها الهوية بعفوية، وصوتت فيها الجماهير بالمحبة، وأعلنت فيها القلوب، دون اتفاق مسبق، أن ما يجمع هذه الأمة ما زال أكبر بكثير مما يفرقها.

هكذا، لم يكن المستطيل الأخضر مجرد مساحة من العشب تحدها الخطوط البيضاء، بل تحول إلى صندوق اقتراع إنساني هائل، أدلت فيه الملايين بأصواتها دون أوراق أو أختام أو لجان فرز وكانت النتيجة واضحة كوضوح الدموع في العيون: ما زالت هذه الأمة تعرف طريقها إلى بعضها، وما زالت القلوب تحفظ أسماء بعضها، وما زالت الهوية العربية قادرة على النهوض كلما ظن البعض أنها غابت وربما لهذا السبب لم تكن أجمل لحظات البطولة تلك التي انتهت بالكؤوس والميداليات، بل تلك التي انتهت بابتسامة على وجه عربي في أقصى المشرق بسبب فرحة عربية في أقصى المغرب هناك فقط أدركنا أن بعض الانتصارات لا تُسجل في لوحات النتائج، بل تُكتب في دفاتر الوجدان، وتبقى أطول عمرًا من أي بطولة، وأعمق أثرًا من أي كأس.

الدرس الأهم

لهذا، فإن الدرس الأهم الذي خرجنا به من هذه التجربة لا يتعلق بكرة القدم وحدها، بل بالإنسان نفسه.

فالقلوب التي استطاعت أن تتوحد في الفرح، قادرة على أن تتقارب في ميادين أخرى.

والشعوب التي أثبتت، بعفويتها، أن الانتماء ما زال حيًا، منحتنا سببًا جديدًا للإيمان بأن الهوية ليست إرثًا من الماضي، بل مشروعًا للمستقبل.

ولعل أجمل ما في هذه الهوية أنها لم تطلب من أحد أن يتخلى عن وطنه، أو أن يذيب خصوصيته، أو أن يتنازل عن علمه.

بل قالت شيئًا أبسط وأعمق: يمكن للإنسان أن يحب وطنه بكل قلبه… وأن يجد في قلبه متسعًا ليحب أشقاءه أيضًا.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى