فاتح أفريقيا الجديد (19) المقارنة… حين تُظلِم الطريق بدل أن تُنيره

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في إحدى المقابلات التي تحدّث فيها الدكتور عبد الرحمن السميط عن عمله في إفريقيا، سُئل عن الأرقام الضخمة التي ارتبطت بمسيرته، ملايين المسلمين الجدد، وآلاف الآبار، ومئات المدارس والمراكز الصحية.
كان السؤال يحمل في طيّاته شيئًا من الإعجاب، وربما شيئًا من المقارنة مع تجارب أخرى أقل أثرًا أو أقل انتشارًا.
لكن اللافت أن السميط لم يكن منشغلًا بالأرقام كما كان السائل منشغلًا بها كان يعيد الحديث دائمًا إلى الإنسان وإلى الطفل الذي وجد مدرسة وإلى الأسرة التي وجدت ماءً نظيفًا وإلى القرية التي استعادت شيئًا من كرامتها.
كأن الرجل يحاول أن يقول شيئًا مهمًا دون أن يصرّح به: إن قيمة العمل ليست في حجمه مقارنة بغيره، بل في صدقه وقدرته على خدمة من يحتاج إليه.
الأفخاخ الخفية في طريق الخير
وهنا تبدأ واحدة من أكثر الأفخاخ خفاءً في طريق الخير.
فالمقارنة لا تبدو خطيرة في البداية، بل تبدو طبيعية لكنها كثيرًا ما تُفسد الطريق دون أن نشعر.
أكثر ما يُربك طريق الخير أن نقيسه بما لا يشبهه أن نقارن الأثر بالأضواء والخدمة بالشهرة والتغيير الحقيقي بعدد المتابعين وأن نحاكم الأعمال العميقة بمعايير الأشياء السريعة.
في زمن أصبحت فيه الأرقام تتصدر المشهد، بات من السهل أن ننسى أن بعض أعظم الأعمال لا يمكن اختصارها في رقم.
كيف يمكن قياس الأمل الذي عاد إلى قلب أم فقدت كل شيء؟
أو كيف يمكن عدّ الكرامة التي استعادها إنسان وجد من يعامله باحترام بعد سنوات من التهميش؟
وهل يمكن أن تُختزل رحلة إنسانية امتدت لعقود في عدد المشاهدات أو حجم التفاعل؟
عبد الرحمن السميط أدرك هذه الحقيقة مبكرًا.
لهذا لم يكن ينافس أحدًا ولم يكن منشغلًا بمن سبقه ولا بمن جاء بعده ولا بمن حصل على اهتمام إعلامي أكبر.
خدمة الإنسان ليست ميدانًا لإثبات التفوق
لأنه كان يعرف أن هذا الطريق لا يحتمل المقارنة فالخير ليس سباقًا والرحمة ليست منافسة وخدمة الإنسان ليست ميدانًا لإثبات التفوق.
المقارنة تُفسد النية قبل أن تُربك الجهد تجعل السؤال يتحول من: ماذا يحتاج الناس؟ إلى: كيف أبدو أفضل؟
ومن هنا يبدأ الانحراف الصامت فبدل أن ينشغل الإنسان بالحاجة، ينشغل بالصورة وبدل أن يركز على الأثر، يركز على الانطباع وبدل أن يبحث عن الحل، يبحث عن الظهور.
لذا الدكتور عبد الرحمن السميط لم يعمل يومًا ليُثبت أنه الأكثر حضورًا، بل ليحقق أكثر ما ينفع وهذا فارق هائل.
لأن كثيرًا من الناس يقيسون النجاح بحجم الاهتمام الذي يحصلون عليه.
أما هو فكان يقيسه بحجم المعاناة التي تم تخفيفها ففي العمل الإنساني، لا يُقاس الأثر بسرعة الانتشار، بل بعمق التغيير وما يتغير بعمق لا يظهر بسرعة.
فالبذرة لا تتحول إلى شجرة في يوم واحد والإنسان لا تتغير حياته بين ليلة وضحاها والمجتمعات لا تُبنى بخطاب عابر أو حملة مؤقتة.
التغيير الحقيقي يحتاج صبر وجهد
كل تغيير حقيقي يحتاج زمنًا ويحتاج صبرًا ويحتاج قدرة على العمل بعيدًا عن الإغراء المستمر بالمقارنة.
المشكلة أن المقارنة لا تسرق التركيز فقط، بل تسرق الطمأنينة أيضًا.
فكلما نظر الإنسان إلى الآخرين أكثر، قلّ نظره إلى الطريق الذي يسير فيه وكلما انشغل بما عند غيره، ضعفت رؤيته لما يملكه هو.
لهذا تقتل المقارنة الصبر وتستنزف الروح وتحوّل الخير إلى سباق وسباقات الشهرة لا نهاية لها فمهما حققت، سيبقى هناك من يملك حضورًا أكبر ومهما أنجزت، سيبقى هناك من يملك أرقامًا أعلى.
أما حين يكون التركيز على الإنسان المحتاج، فإن المعايير تتغير بالكامل تصبح القيمة فيما أُنجز لا فيما أُعلن وفيما نفع لا فيما انتشر وفيما بقي لا فيما لمع.
السميط يتحرر من فخ المقارنة مبكرًا
لذا قد تحرر عبد الرحمن السميط من هذا الفخ مبكرًا فبقي تركيزه ثابتًا على الإنسان لا على صورته وعلى الرسالة لا على مكانته وعلى الحاجة لا على المقارنة.
لهذا استطاع أن يواصل الطريق لعقود طويلة دون أن تستهلكه المنافسة، أو تشتته المقارنات، أو تُضعف عزيمته حسابات الظهور.
لذا لعل من أكثر الأمور التي تُرهق الإنسان اليوم أنه يقضي جزءًا كبيرًا من حياته وهو ينظر إلى الآخرين ويقارن خطواته بخطواتهم وإنجازاته بإنجازاتهم وحضوره بحضورهم حتى ينسى أحيانًا أن لكل إنسان طريقه الخاص وأن الله لم يكلّفنا بأن نكون نسخة من أحد، بل أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا.
هذا ما فهمه عبد الرحمن السميط فلم يُضِع عمره في متابعة من سبقه أو من نافسه، بل أمضاه في متابعة من يحتاج إليه.
ولم يسأل: من الأكثر شهرة؟ بل سأل: من الأكثر حاجة؟
ولم ينشغل بموقعه بين الناس، بل انشغل بموقع الناس من الألم والجوع والحرمان.
لهذا بقي أثر السميط في أفريقيا
لهذا بقي أثره ليس لأنه كان الأعلى صوتًا، بل لأنه كان الأصدق حضورًا.
إن المقارنة قد تمنحنا دافعًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع رسالة.
أما الإخلاص للهدف، فهو الذي يمنح الطريق عمرًا أطول من صاحبه.
وحين ننظر إلى سيرة عبد الرحمن السميط اليوم، ندرك أن الأثر العظيم لا يولد من الانشغال بالآخرين، بل من الانشغال بالواجب وأن الإنسان لا يكبر حين يتفوق على غيره، بل حين ينتصر على نفسه.
فلا تنظر كثيرًا إلى من يسير بجوارك انظر إلى الطريق الذي اختارك الله له واسأل نفسك كل يوم سؤالًا أبسط وأصدق: من الذي يحتاجني الآن؟
فربما يكون هذا السؤال الصغير أعظم أثرًا من ألف مقارنة وربما يكون الخير الذي تفعله بصمت، بعيدًا عن الأضواء والمنافسات، أثقل في ميزان الحياة من كل ما يراه الناس ويصفقون له.
فالطرق العظيمة لا تُقاس بمن سبقك فيها، ولا بمن يسير معك عليها.
بل بما تتركه خلفك من نورٍ يدلّ التائهين على الطريق.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية



