أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (21) الميزان الداخلي… كيف تعرف أنك ما زلت على الطريق الصحيح ؟؟

رؤية الدكتور السميط : خسارة الإتجاه الصحيح من أعظم الخسائر

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

 

في سياق التأمل العميق في مسيرة العطاء الإنساني والدعوي، تبرز محطات ملهمة من حياة رواد العمل الخيري الذين لم تشغلهم الأرقام الكبرى عن جوهر الرسالة. ومن أبرز هؤلاء، الدكتور عبد الرحمن السميط، الذي ترك لنا مدرسة حقيقية في مراجعة الذات والحفاظ على نقاء السريرة وسط أمواج النجاحات المتلاطمة.

 أسئلة السميط الصعبة في غمرة الإنجازات

في إحدى رحلاته الطويلة بين قرى إفريقيا النائية، وبعد سنوات من العمل المتواصل، جلس الدكتور عبد الرحمن السميط مع مجموعة من زملائه يتحدثون عن المشاريع التي أُنجزت والإنجازات التي تحققت كانت الأرقام كبيرة، والنتائج مشجعة، والنجاحات واضحة للعيان.

لكن ما لفت انتباه من حوله أنه لم يكن أكثر الناس احتفاءً بهذه الأرقام، بل كان أكثرهم سؤالًا وكان يؤكد دائمًا على سؤال مختلف:

  • هل ما نفعله اليوم يحقق الغاية التي خرجنا من أجلها؟
  • هل ما زلنا نسير في الاتجاه الصحيح؟
  • هل ما زالت النية كما بدأت؟

هذه الأسئلة تبدو بسيطة.

لكنها في الحقيقة من أصعب الأسئلة التي يمكن أن يواجه بها الإنسان نفسه لأن النجاح أحيانًا يُخدّر المراجعة والإنجاز قد يمنح صاحبه شعورًا زائفًا بأنه لا يحتاج إلى التوقف والتأمل.

أما عبد الرحمن السميط، فكان يدرك أن أخطر لحظات الطريق ليست دائمًا لحظات الفشل، بل قد تكون لحظات النجاح نفسها.

حين يبدأ الإنسان في الاطمئنان إلى ما حققه أكثر من اهتمامه بما يجب أن يحققه.

مفهوم الميزان الداخلي.. التفريق بين ثراء الأرقام وعمق المعنى

هنا يظهر ما يمكن تسميته بالميزان الداخلي ذلك الميزان الذي لا يراه أحد ولا يُقاس بالأرقام ولا تُظهره التقارير لكنه يظل الحارس الصامت لكل رحلة صادقة.

فليس كل من سار طويلًا سار صحيحًا ولا كل من أنجز كثيرًا كان ثابت الاتجاه فهناك طرق طويلة تقود إلى المكان الخطأ وهناك نجاحات كبيرة تُخفي في داخلها انحرافًا صغيرًا بدأ مبكرًا ثم كبر مع الزمن.

لهذا لا يكون الميزان الحقيقي خارجيًا فقط ولا تصنعه الأرقام وحدها ولا تحدده نظرة الناس.

بل ذلك الشعور العميق الذي يراجعك بصمت حين تختلي بنفسك ذلك الصوت الذي يسأل: لماذا بدأت؟       ولماذا تستمر؟

وهل ما زلت الشخص نفسه الذي خرج أول مرة يحمل هذه الرسالة؟

فعبد الرحمن السميط كان يملك هذا الميزان ميزانًا لا يسأل:

كم أنجزت؟     بل: كيف أنجزت؟     ولماذا أنجزت؟

هنا يكمن الفارق كله.

  • فالعالم غالبًا يحتفي بالنتائج أما الضمير فيسأل عن الطريق الذي أوصل إليها.
  • العالم يرى المبنى أما الميزان الداخلي فيسأل كيف بُني.
  • العالم يعدّ الأرقام أما القلب فيسأل عن المعنى.

وحين تتشوش الطرق، وتكثر الضغوط، وتتداخل المصالح، وتبدأ التنازلات الصغيرة في الظهور، لا يبقى إلا هذا الميزان حارسًا للنية.

شجاعة التصحيح وحراسة البوصلة من الضياع

إن أخطر ما يواجه الإنسان ليس الخطأ الكبير الواضح فالخطأ الواضح يمكن رؤيته بسهولة.

أما الخطر الحقيقي فهو الانحراف الصغير الذي يبدو منطقيًا في البداية.

  • ذلك التنازل الذي يُبرَّر باسم المصلحة.
  • وتلك القيمة التي تُؤجَّل باسم الضرورة.
  • وتلك المبادئ التي يُقال إنها ستعود لاحقًا لكنها كثيرًا ما لا تعود.

السميط كان يعرف هذه الحقيقة جيدًا كان يدرك أن الانحراف الصغير إذا تُرك دون مراجعة، يصنع مع الزمن مسافة كبيرة.

فالسفينة لا تغرق بسبب موجة واحدة، بل بسبب تسرب صغير لم يُنتبه إليه مبكرًا.

لهذا لم يكن يخاف من مراجعة نفسه ولم يكن يعتبر التراجع خطوة إلى الخلف هزيمة، بل كان يراه شجاعة.

فكم من الناس يواصلون الطريق الخطأ فقط لأنهم قطعوا فيه مسافة طويلة؟

وكم من المشاريع تستمر في الاتجاه الخاطئ لأن أصحابها يخشون الاعتراف بالحاجة إلى التصحيح؟

رؤية السميط .. في المراجعة قوة لا ضعفًا

أما السميط، فكان يرى في المراجعة قوة لا ضعفًا وكان يدرك أن الإنسان الذي لا يراجع نفسه، سيجد نفسه يومًا تحت مراجعة الواقع بطريقة أكثر قسوة.

فالميزان الداخلي لا يمنع التعب ولا يزيل المشقة ولا يختصر الطريق لكنه يمنع الضياع.

يمنع أن تستيقظ بعد سنوات طويلة لتكتشف أنك وصلت إلى مكان لم تكن تقصده أصلًا.

لهذا كان السميط شديد الحرص على أن يبقى الهدف واضحًا أمامه.

لم يكن يريد مجرد مشاريع ناجحة، بل مشاريع صادقة.

لم يكن يبحث عن أرقام أكبر، بل عن أثر أنقى.

ولم يكن يسأل فقط عما تحقق، بل عمّا إذا كان ما تحقق يستحق الطريق الذي سلكه إليه.

وهذا من أصعب أنواع الصدق مع النفس.

في النهاية، لا يعيش الإنسان عمره كله تحت أنظار الناس هناك لحظات ينفرد فيها بنفسه تنطفئ فيها الأضواء وتسقط فيها الألقاب وتختفي التصفيقات ولا يبقى إلا سؤال واحد: هل كنت صادقًا؟

هذا السؤال هو الميزان الحقيقي.

ليس ما قاله الناس ولا ما كتبته الصحف ولا ما ظهر في التقارير، بل ما يعرفه الإنسان عن نفسه حين يواجهها دون شهود.

خسارة الاتجاه من أعظم الخسائر

لقد كان عبد الرحمن السميط يدرك أن أعظم الخسائر ليست خسارة المال أو الجهد أو الوقت، بل خسارة الاتجاه.

  • أن يواصل الإنسان السير بينما يفقد البوصلة.
  • وأن يحقق النجاح بينما يخسر المعنى.
  • وأن يكسب العالم ويبتعد عن السبب الذي بدأ من أجله.

لهذا ظل طوال حياته يعود إلى الداخل إلى تلك المنطقة الهادئة التي لا يصل إليها الضجيج حيث تُوزن النيات وتُراجع الدوافع وتُختبر القيم.

الرسالة الخالدة.. احرس قلبك أكثر مما تحرس نجاحك

ومن أجمل ما نتعلمه من سيرته أن الطريق لا يحفظ الإنسان تلقائيًا، بل الإنسان هو الذي يجب أن يحرس نفسه وهو على الطريق.

  • فالأيام تُغيّر الناس.
  • والنجاحات تُغيّر الناس.
  • والإخفاقات أيضًا تُغيّر الناس.

لكن القليل فقط هم الذين يملكون الشجاعة الكافية ليقفوا بين الحين والآخر ويسألوا أنفسهم:

  • هل ما زلت كما كنت؟
  • هل ما زلت أعرف لماذا بدأت؟
  • هل ما زلت أسير نحو الغاية نفسها؟

ربما لا نملك جميعًا مشاريع ضخمة ولا أعمالًا تمتد عبر القارات لكننا جميعًا نملك هذا الميزان ذلك القاضي الصامت الذي يسكن داخلنا وكلما حافظنا عليه حيًا، بقيت الطريق واضحة مهما كثرت المنعطفات أما حين نهمله، فقد نمضي بعيدًا جدًا دون أن نشعر أننا ابتعدنا.

لقد رحل عبد الرحمن السميط، لكن واحدة من أعظم رسائله لم تكن بئرًا حُفرت، ولا مدرسة بُنيت، ولا مشروعًا أُنجز كانت هذه الرسالة البسيطة والعميقة: احرس قلبك أكثر مما تحرس نجاحك فإن ضاع القلب، ضاع الطريق.

وإن بقي القلب مستقيمًا، فإن كل خطوة صادقة، مهما بدت صغيرة، ستقودك في النهاية إلى المكان الذي خُلقت لتصل إليه.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى