فاتح أفريقيا الجديد (27) الجوع امتحان قاسي لإنسانية العالم

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في مشاهد ميدانية تعكس عمق المأساة الإنسانية، تتجلى تجربة الدكتور عبد الرحمن السميط في مواجهة المجاعات بقلب القارة الأفريقية، لتؤكد أن الفقر والجوع ليسا مجرد نقص في الموارد الغذائية، بل هما اختبار حقيقي لإنسانية العالم ولجوهر العدالة الاجتماعية.
موقف في قلب المجاعة: الإنسانية والكرامة لا تسلبها الحاجة
وصل الدكتور عبد الرحمن السميط مع فريقه إلى إحدى القرى الإفريقية التي ضربتها المجاعة خلال سنوات عمله الميداني، ولم يكن في المكان سوى عدد قليل من أكياس الذرة لا تكفي الجميع.
كان المشهد مؤلمًا إلى حدٍّ يصعب وصفه أطفال ينتظرون بصمت، وأمهات يحاولن إخفاء خوفهن خلف ابتسامات باهتة، وبينما كان توزيع الطعام يجري، اقتربت منه أم تحمل طفلًا شديد الهزال، ثم طلبت أن تُعطى حصتها لطفلٍ آخر كانت ترى أن حالته أسوأ من حالة ابنها.
وقف السميط أمام هذا المشهد طويلًا، ثم قال في أحد لقاءاته إن الفقر قد يسلب الإنسان أشياء كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يسلبه إنسانيته إذا بقي الإيمان حيًا في قلبه.
ذلك الموقف لم يكن مجرد قصة عن مجاعة ولا عن امرأة تتنازل طوعا عن حق طفلها إلى طفل اخر، بل كان درسًا عميقًا في معنى الكرامة والانسانية، وفي قدرة الإنسان على العطاء حتى وهو في أشد لحظات الاحتياج.
الجوع امتحان قاسي لإنسانية العالم
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد عبد الرحمن السميط يرى الجوع مجرد نقص في الطعام، بل رآه امتحانًا قاسيًا لإنسانية العالم كله.
نحن نحب أن نصف الجوع بأنه “كارثة إنسانية“ لكن الحقيقة أنه، في كثير من الأحيان، قرار إنساني قبل أن يكون كارثة إنسانية.
فالطعام في العالم اليوم يكفي مليارات البشر، والإنتاج الزراعي العالمي قادر -بحسب تقارير المنظمات الدولية- على إطعام سكان الأرض جميعًا، ومع ذلك يظل ملايين البشر ينامون كل ليلة وهم لا يعرفون إن كانوا سيجدون ما يأكلونه في صباح اليوم التالي أم لا.
هنا لا يصبح السؤال: لماذا يجوع الناس؟
بل يصبح السؤال الأصعب: لماذا يسمح العالم باستمرار الجوع؟
لذا فهم عبد الرحمن السميط هذه الحقيقة فهو لم ينظر إلى الجوع باعتباره مشكلة غذاء فقط، بل باعتباره نتيجة لاختلال العدالة، وغياب التنمية، وانتشار الصراعات، وسوء توزيع الموارد.
كان يقول بلسان أفعاله دائمًا إن الإنسان لا يموت لأن الأرض بخيلة، بل لأن البشر كثيرًا ما يكونون أقل رحمة مما ينبغي.
الجوع… حين يصبح الخبز أمنية لا وجبة
في إفريقيا، لم يكن الجوع خبرًا عاجلًا، بل كان رفيقًا يوميًا لكثير من الأسر. هناك، لا تبدأ الأم صباحها بالسؤال: ماذا سنطبخ؟ بل تبدأه بسؤال أكثر قسوة: هل سنجد شيئًا نأكله أصلًا؟.
والطفل هناك لا يعرف قائمة الطعام، ولا يختار بين الأطباق، ولا يرفض نوعًا من الطعام لأنه لا يعجبه. هو فقط يحلم بوجبة واحدة تشعره بأنه شبع فأي عالم هذا الذي يجعل الشبع حلمًا؟
كان السميط يرى أن أخطر ما يفعله الجوع ليس أنه يُفرغ المعدة، بل أنه يُفرغ الإنسان من قدرته على التفكير فالإنسان الجائع لا يستطيع:
- أن يخطط للمستقبل.
- ولا أن يتعلم جيدًا.
- ولا أن يعمل بكفاءة.
- ولا أن يحلم.
بل سيحول كل طاقته إلى سؤال واحد: كيف أبقى حيًا حتى الغد؟
هنا يتحول الجوع إلى سجن كبير:
- يسجن الجسد.
- ويسجن العقل.
- ويسجن المستقبل.
رؤية السميط : الإغاثة تنقذ الحياة لكن التنمية تحفظها
لهذا لم يكن عبد الرحمن السميط يتعامل مع توزيع الطعام باعتباره الحل النهائي كان يعرف أن الإغاثة تنقذ الحياة لكن التنمية تحفظها.
لذلك، كانت قوافل الغذاء عنده تسير جنبًا إلى جنب مع حفر الآبار، وبناء المدارس، وإنشاء المراكز الصحية، وتعليم المهن، ورعاية الأيتام، ودعم الأسر المنتجة.
لأنه كان يؤمن أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى من يطعمه اليوم، بل يحتاج إلى من يمنحه القدرة على ألا يجوع غدًا وهذا هو الفرق بين من يعالج العرض، ومن يعالج السبب.
- كم من طفل أفقده الجوع فرصة التعليم؟
- وكم من فتاة اضطرتها الحاجة إلى ترك المدرسة؟
- وكم من أبٍ باع أرضه؟
- وكم من أمٍ نامت جائعة حتى يأكل أطفالها؟
الجوع لا يسرق الطعام فقط إنه يسرق القرارات ويغيّر مصير العائلات ويصنع أجيالًا كاملة تبدأ حياتها وهي منهكة.
لهذا كان السميط يقول دائمًا إن إنقاذ طفل من الجوع ليس مجرد إطعامه، بل إنقاذ سنوات طويلة من مستقبله.
الجوع إدانة للمجتمع الدولي كله
في رحلات السميط الطويلة، لم يكن أكثر ما يؤلمه رؤية الأطفال وهم يأكلون، بل كان يؤلمه انتظارهم للطعام.
ذلك الانتظار الطويل وتلك العيون التي تراقب كل سيارة تدخل القرية وتلك الخطوات الصغيرة التي تجري خلف أي قافلة إغاثة وكأنها تسأل بصمت:
- هل جاء الطعام هذه المرة؟
- كم يحتاج الإنسان من القوة حتى يعتاد انتظار لقمة؟
كان عبد الرحمن السميط يدرك أن الجوع ليس إهانة للجائع فقط، بل إدانة للمجتمع الدولي كله.
لأن الحضارة لا تُقاس بعدد الأبراج، ولا بسرعة الإنترنت، ولا بحجم الاقتصاد، بل تُقاس أيضًا بعدد الأطفال الذين ينامون شبعى.
وحين يبيت طفل واحد جائعًا، فإن في إنسانيتنا جميعًا شيئًا يحتاج إلى مراجعة.
من أعظم ما ميّز تجربة السميط أنه لم يسمح للجوع أن يحوله إلى متفرج فكثيرون يتأثرون بالمشهد.
يبكون ثم يغادرون أما هو، فقد قرر أن يبقى وأن يعيش وسط الألم وأن يشارك الناس تفاصيل حياتهم وأن يحمل معهم أكياس الغذاء وأن يسير معهم في الطرق الوعرة كان يؤمن أن الرحمة ليست شعورًا عابرًا، بل مسؤولية.
جوع الكرامة أخطر أنواع الجوع
ولعل أخطر أنواع الجوع ليس جوع المعدة، بل جوع الكرامة حين يشعر الإنسان أنه أصبح رقمًا في تقرير أو صورة في حملة أو خبرًا عابرًا في نشرة المساء السميط رفض هذا كله.
كان ينظر إلى كل محتاج باعتباره إنسانًا كاملًا، له اسم، وله قصة، وله حلم، وله حق في أن يعيش بكرامة.
لهذا لم يكن يقدم الطعام من موقع المتفضل، بل من موقع الأخ الذي يؤدي واجبه وكان هذا ما يجعل المساعدة تصل إلى القلب قبل أن تصل إلى اليد.
اليوم، ونحن نقرأ في فلسفة الدعوة عند الدكتور عبد الرحمن السميط، ندرك أن أعظم ما تركه لم يكن آلاف الآبار، ولا المدارس، ولا المستشفيات، ولا الأرقام التي تتحدث عن ملايين المستفيدين.
بل ترك طريقة مختلفة في النظر إلى الإنسان علّمنا أن الجوع ليس قدرًا وأن الفقر ليس هوية وأن الإنسان لا يُختزل في حاجته وأن لقمة الخبز قد تكون بداية طريق طويل نحو استعادة الكرامة.
أسئلة السميط ما زالت حيّة بيننا
لقد رحل عبد الرحمن السميط، لكن أسئلته ما زالت حيّة بيننا.
- هل يكفي أن نتأثر حين نرى الجائع؟
- أم أن التأثر الحقيقي هو أن يتحول إلى فعل؟
- وهل يكفي أن نحزن على صور المجاعات؟
أم أن واجبنا أن نبحث عن نصيبنا من المسؤولية، مهما كان صغيرًا؟
ربما لن نستطيع جميعًا أن نسافر إلى القرى البعيدة، أو نحفر الآبار، أو نبني المدارس، لكننا نستطيع أن نمنع جوعًا قريبًا منا، وأن نكفل يتيمًا، وأن نطعم أسرة، وأن ندعم مشروعًا صادقًا، وأن نمد يدًا لا تنتظر مقابلًا فالخير لا يبدأ بحجم الإمكانات، بل بحجم القلب.
ولعل أعظم ما نتعلمه من سيرة عبد الرحمن السميط أن الجائع لا ينتظر خطبة بليغة، ولا وعدًا مؤجلًا، ولا تعاطفًا عابرًا إنه ينتظر إنسانًا يرى فيه أخًا، لا رقمًا.
وحين يتحول الخبز إلى رسالة رحمة، والماء إلى عنوان كرامة، والعمل إلى عبادة، يصبح العالم مكانًا أكثر عدلًا مما كان.
وربما يأتي يومٌ يقف فيه طفل إفريقي شبع بعد سنوات من الجوع، ليرفع يديه إلى السماء داعيًا لمن لم يعرف اسمه قط، لكنه عرف أثره.
هنا فقط، نفهم أن أعظم الأعمال ليست تلك التي تُكتب في التقارير، بل تلك التي تُكتب في دعوات الجائعين، وفي ابتسامات الأطفال، وفي القلوب التي عادت تؤمن أن في هذا العالم ما يزال هناك متسع للرحمة.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية










