فاتح أفريقيا الجديد (53) الدكتور السميط… رحلة تعب لا تنتهي وصبر يخلده التاريخ

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في قصة إنسانية عميقة تروي تفاصيل الكفاح والتعب المستمر في العمل الإنساني، يعرض هذا المقال من سلسلة مقالات ( فاتح أفريقيا الجديد ) محطة بارزة من حياة الدكتور عبد الرحمن السميط أثناء رحلته الشاقة إلى قرية “مكة” في مدغشقر، حيث تتجلى معاني الصبر والتحمل في سبيل خدمة الإنسان، ضمن رؤية تحليلية تسلط الضوء عليها وضوح الإخباري.
تفاصيل الرحلة الى قرية مكة في مدغشقر
في عام 1994، ذهب الدكتور عبد الرحمن السميط إلى مدغشقر في زيارة تفقدية لجمع المعلومات عن أحوال إحدى الجماعات التي كان العمل معها قائمًا هناك وفي مكتبهم، سمع عن قرية اسمها مكة.
اسم جليل في قرية بعيدة، لكنه بالنسبة إليه لم يكن اسمًا عاديًا سأل عن مكانها فقيل له إنها بعيدة جدًا، وإن الوصول إليها صعب، وإن الطريق إليها مرهق إلى درجة لا تستحق معها الزيارة، بحسب ما نُقل إليه لكن السميط أصرّ.
ذهب أولًا إلى مناكارا بالطائرة، ثم تابع بسيارة قديمة إلى منطقة أخرى، وبعد ذلك كان عليه عبور نهر تنتشر فيه التماسيح بقارب صغير، ثم السير داخل المستنقعات.
وقد روى بنفسه أن المياه كانت تصل أحيانًا إلى صدره وكتفيه، وأنه سقط في الماء أكثر من مرة، واستغرقت الرحلة في تلك المنطقة نحو أربع ساعات حتى وصل إلى القرية.
لم تكن تلك الرحلة مجرد مغامرة في طريق صعب، بل كانت درسًا في شخصية الرجل.
فالسميط لم يكن يملك معلومة مريحة تقول إن الطريق آمن، ولم يكن يملك ضمانًا بأن القرية ستقدم له نتيجة استثنائية، لكنه كان يرى أن هناك أناسًا في الطرف الآخر من هذا الطريق، وأن معرفة واقعهم تستحق أن تُدفع لها كلفة التعب.
وهنا يكون الدرس حين كان متعبًا… لم يتوقف
لا أحد يتحدث كثيرًا عن هذا النوع من التعب لأننا نحب أن نرى النتائج، ولا نحب أن نتخيل الثمن الذي سبقها.
- نرى المدرسة ولا نرى الطريق الذي قُطع للوصول إلى المكان الذي بُنيت فيه.
- نرى البئر ولا نرى الأيام التي سبقت وصول الماء.
- نرى المشروع ناجحًا ولا نرى الساعات الطويلة التي قضاها أشخاص في التخطيط، والمتابعة، والسفر، والمراجعة.
التعب غالبًا لا يدخل في الصورة لكنه يدخل في صناعة كل شيء.
وفي حياة عبد الرحمن السميط، لم يكن التعب لحظة عابرة يمكن تجاوزها بكوب من القهوة أو ساعات من النوم لكن التعب عنده له معني آخر لا يعود مجرد إحساس بالجسد، بل يصبح جزءًا من إيقاع الحياة.
هناك فرق بين أن تتعب مرة… وأن تعيش طويلًا في ظروف تُتعبك باستمرار.
الأول يمكن احتماله أما الثاني فيحتاج إلى طريقة مختلفة في التعامل معه.
لأن المشكلة ليست في الألم وحده، بل المشكلة أن الإنسان قد يعتاد الألم ويبدأ في اعتباره طبيعيًا وهنا يكمن الخطر.
حين يصبح الإرهاق أسلوب حياة، قد لا تشعر أنك بحاجة إلى التوقف حتى بعد أن يبدأ جسدك في إرسال رسائله الواضحة.
لهذا فإن الاستمرار الحقيقي لا يعني أن تتجاهل الجسد، بل أن تعرف كيف تُديره ومتى ترتاح ومتى تستعين بغيرك ومتى تتقدم ومتى تتراجع خطوة حتى تستطيع أن تكمل عشر خطوات بعدها.
وهذا جانب مهم في فهم تجربة السميط
فالرجل لم يكن يبحث عن المشقة لذاتها ولم يكن يذهب إلى الطريق الأصعب لكي يقول للناس: انظروا كم أتحمل.
كان الطريق صعبًا لأنه كان يريد الوصول إلى أماكن أصعب.
وهذا فارق أخلاقي كبير.
أن تتعب لأنك تطارد صورة البطولة… شيء. وأن تتعب لأن هناك إنسانًا في نهاية الطريق يحتاج إلى أن تصل اليه… شيء آخر تمامًا.
كان يمكن للسميط، في تلك الرحلة إلى قرية «مكة»، أن يقتنع بكلام من حوله. وكان يمكن أن يقول: الطريق صعب ولا توجد فائدة مؤكدة والوقت يمكن أن يُستثمر في مكان آخر.
لكن هذا النوع من التفكير، رغم منطقيته الظاهرية، كان يعني شيئًا واحدًا: أن تتحول الصعوبة إلى حائط والسميط لم يكن يرى الصعوبة حائطًا دائمًا.
كان يراها سؤالًا: هل يوجد سبب يجعلني أصل؟
فإذا كان الجواب نعم… بدأ يبحث عن الطريقة.
وهنا تظهر شخصية الإنسان الذي لا يسمح للعائق بأن يصبح قرارًا نهائيًا.
الإرهاق الحقيقي
لكن الإرهاق الحقيقي لا يكون دائمًا في الطريق، بل أحيانًا يكون في تكرار الطريق وهذه فكرة مختلفة تمامًا.
- أن تفعل الشيء نفسه مرة بعد مرة وأن تذهب إلى قرية ثم قرية أخرى.
- أن تتابع مشروعًا ثم تعود بعد شهور لتراجعه.
- أن تسمع المشكلة نفسها بأسماء مختلفة.
- أن ترى الفقر في أكثر من مكان.
- أن تعمل على التعليم في منطقة، ثم تجد احتياجًا جديدًا في منطقة أخرى.
- أن تنتهي من أزمة لتبدأ أزمة أخرى.
هنا لا يعود الحماس وحده كافيًا لأن الحماس يحب الجديد أما الرسالة الحقيقية، فتستطيع أن تعيش مع التكرار وبعد أن تصبح المشاهد التي هزتك في البداية جزءًا من يومك وهنا كان الاختبار أكبر.
الناس تتأثر بالبداية لكن الاستمرارية تُصنع في منتصف الطريق.
في البداية، تقول: سأفعل.
وفي النهاية، تقول: انتهيت.
أما المسافة بينهما… فهناك المعركة الحقيقية.
- هناك التعب.
- والتأجيل.
- والأخطاء.
- والظروف التي تتغير.
- والنتائج التي تتأخر.
السؤال الذي لا يراه أحد
وهناك السؤال الذي لا يراه أحد: هل ما زلت تريد إكمال ما بدأت؟
لهذا فإن بعض الناس يبدؤون بقوة، ثم ينطفئون لا لأن فكرتهم كانت خاطئة، بل لأنهم لم يستعدوا للحياة التي تأتي بعد الحماس.
عبد الرحمن السميط لم يكن يعيش على وهج البداية كان يعيش على وضوح الهدف.
وهذا هو السبب الذي يجعل الإنسان قادرًا على الاستمرار حتى عندما لا يكون مزاجه مساعدًا فالمزاج يتغير والطاقة ترتفع وتنخفض لكن المسؤولية تبقى.
هناك شيء آخر في التعب لا نتحدث عنه كثيرًا: التعب الذي لا يطلب الإذن.
قد تستيقظ يومًا وأنت لم تعد تملك الطاقة نفسها وتشعر أن ما كان سهلًا بالأمس أصبح يحتاج إلى جهد مضاعف اليوم.
في هذه اللحظة، يظهر الفرق بين الإنسان الذي يفهم الرسالة، والإنسان الذي يربط الرسالة بقدرته البدنية فقط.
والتعب أيضًا يعلّم الإنسان التواضع حين تكون قادرًا على كل شيء، قد تتوهم أنك تستطيع الاستمرار إلى الأبد لكن الجسد يذكرك بالحقيقة.
- أنك محدود.
- وأن الوقت محدود.
- وأن العمر محدود.
- وأن عليك أن تختار أين تضع طاقتك.
أهمية ترتيب الأولويات
وهذا يجعل الإنسان أكثر حكمة فليس النجاح أن تفعل مئة شيء، بل أن تعرف أي الأشياء تستحق أن تبذل نفسك من أجلها.
عبد الرحمن السميط، مع اتساع عمله، لم يعد أمامه طريق واحد أو مهمة واحدة، بل كانت أمامه قارة كاملة بمشكلاتها وتعقيداتها.
وهذا وحده كان يحتاج إلى قدرة هائلة على ترتيب الأولويات.
لأن الإنسان إذا حاول أن يفعل كل شيء… قد ينتهي به الأمر إلى ألا يفعل شيئًا بصورة جيدة.
ولعل أصعب أنواع التعب ليس أن تنقطع الكهرباء ولا أن تصبح الطرق وعرة ولا أن يطول السفر.
- الأصعب أن تبذل جهدًا كبيرًا، ثم ترى المشكلة تعود.
- أن تنتهي من مشروع، ثم تظهر مشكلة جديدة.
- أن تساعد مجتمعًا على الوقوف، ثم تضربه أزمة أخرى.
- أن تبدأ في بناء شيء، ثم تضطر إلى إعادة البناء.
هنا يشعر الإنسان أحيانًا أن الطريق لا ينتهي وهذا شعور ثقيل.
لكن المجتمعات الحقيقية لا تُبنى بمنطق: انتهينا.
تُبنى بمنطق: ما الخطوة التالية؟
لهذا فإن العمل الطويل يحتاج إلى عقلية مختلفة.
لا تنتظر أن تصل إلى يوم تقول فيه: لم تعد هناك مشكلات.
لأن هذا اليوم قد لا يأتي لكن يمكنك أن تقول:
- هذه المشكلة أصبحت أقل مما كانت.
- وهذا الطفل صار يقرأ.
- وهذه الأسرة أصبحت أكثر قدرة على الاعتماد على نفسها.
- وهذه القرية أصبحت تملك ماءً.
- وهذا المريض وجد علاجًا.
- وهذا وحده يكفي لتعرف أن الطريق لم يكن عبثًا.
فلسفة السميط مع التعب
عبد الرحمن السميط لم يكن رجلًا بلا تعب كان رجلًا يعرف كيف يتحرك رغم التعب.
والفرق بين الجملتين ليس بسيطًا.
فالأولى تصنع أسطورة والثانية تعيد الإنسان إلى إنسانيته.
وما نحتاجه نحن ليس أسطورة لا تشبهنا، بل إنسانًا نستطيع أن نفهمه.
- كان يتعب لكن كان لديه سبب.
- وكان يضعف لكن كان يعرف كيف يستعين بغيره.
- وكان يواجه طريقًا طويلًا لكنه لم يشترط أن يرى النهاية حتى يبدأ.
وهذا يجعل تجربته أقرب إلينا، لا أبعد ربما لهذا يجب أن نعيد تعريف القوة.
القوة ليست أن تقول: أنا لا أتعب.
القوة أن تقول: أنا أتعب… لكنني أعرف كيف أتعامل مع تعبي.
- أعرف متى أستريح.
- وأعرف متى أطلب المساعدة.
- وأعرف متى أغير الأسلوب.
- وأعرف متى أترك غيري يحمل جزءًا من المهمة.
ثم أعود.
لا لأنني لا أشعر بالضعف… بل لأنني لا أريد أن يتحول ضعفي المؤقت إلى نهاية دائمة.
هذه هي القوة الناضجة ليست إنكارًا للإنسان، بل احترامًا له.
الدرس المستفاد من رحلة القرية البعيدة
ومن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من رحلة السميط إلى تلك القرية البعيدة أن بعض الطرق لا تختبر قدرتك على الوصول فقط، بل تختبر استعدادك لدفع ثمن الوصول.
- قد يكون الثمن وقتًا.
- وقد يكون جهدًا.
- وقد يكون راحة.
- وقد يكون خوفًا.
- وقد يكون يومًا طويلًا لا تجد فيه شيئًا سوى نفسك والطريق.
لكن حين تعرف أن هناك إنسانًا في النهاية ينتظر منك شيئًا، يتغير معنى المسافة.
أربع ساعات في المستنقعات قد تبدو جنونًا لمن يجلس بعيدًا.
لكنها تصبح مختلفة عندما تكون في نهاية تلك الساعات قرية لم تكن تعرف عنها شيئًا، وأناس يحتاجون إلى من يأتي إليهم بدلًا من أن ينتظروا وصول العالم إليهم.
كان متعبًا، لكنه لم يجعل التعب آخر الحكاية
ربما كل إنسان يصل في مرحلة من حياته إلى نقطة يتمنى عندها أن يقول:
- يكفي.
- يكفي سفرًا.
- يكفي مسؤوليات.
- يكفي ضغطًا.
- يكفي محاولة.
وهذا شعور بشري ولا يجب أن نخجل منه لكن المشكلة ليست في أن تقول: تعبت.
المشكلة في أن تقول: إذن انتهى كل شيء.
عبد الرحمن السميط يترك لنا درسًا أكثر إنسانية من فكرة البطولة المطلقة.
- لا تقل: لن أتعب.
قل: سأتعب… وسأتعلم كيف أستمر.
- لا تقل: سأحمل كل شيء.
قل: سأعرف ما أستطيع حمله، وسأترك للآخرين مساحة ليحملوا معي.
- لا تقل: لن أتراجع أبدًا.
قل: سأغيّر الطريقة حين تحتاج الطريقة إلى تغيير، لكنني لن أفرّط في المعنى.
هذه ليست صلابة فقط هذه حكمة لأن الإنسان الذي يحترم رسالته يحترم أيضًا حدوده.
والإنسان الذي يريد للأثر أن يعيش، لا يستهلك نفسه حتى الانطفاء، بل يتعلم كيف يحافظ على النور.
لقد كان عبد الرحمن السميط متعبًا لكن التعب لم يصبح هويته ولم يصبح عذرًا ولم يصبح نهاية.
ظل هناك دائمًا شيء أكبر من الساعات الطويلة، وأقوى من الطرق الوعرة، وأبقى من إنهاك الجسد: هو إنسان ينتظر.
ولعل هذا هو المعنى الذي يستحق أن نحمله معنا فلسنا مطالبين بأن نكون أقوياء طوال الوقت ولا أن نعمل بلا توقف ولا أن ننتصر على أجسادنا.
نحن مطالبون فقط ألا نسمح للتعب المؤقت أن يقنعنا بأن الرسالة انتهت:
- فقد تتعب اليوم… وتستريح.
- وقد تتراجع خطوة… وتعيد ترتيب نفسك.
- وقد تعطي جزءًا من الحمل لغيرك… ثم تعود.
لكن لا تجعل لحظة الإرهاق تكتب آخر سطر في قصتك لأن بعض أجمل الآثار في الحياة لم يصنعها أشخاص لم يتعبوا بل صنعها أشخاص تعبوا كثيرًا… ثم عرفوا لماذا يستحق الطريق أن يُكمل.
وربما لهذا، حين ننظر إلى عبد الرحمن السميط، لا ينبغي أن نقول:
كيف استطاع أن يتحمل كل ذلك؟
بل نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر صدقًا:
حين يأتي التعب إلينا… ماذا نملك نحن من معنى يجعلنا نعيد الوقوف؟
فقد يتعب الجسد وقد تتباطأ الخطوة وقد يطول الطريق لكن ما دام في القلب سبب يستحق… فالتعب محطة، وليس نهاية الطريق.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية










