البحث العلمى

في ظلال رحلة المعراج الكونية (21أ) حول خلق الكون في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة

بقلم: الدكتور سعد كامل

من الفضل الإلهي أنه سبحانه وتعالى قد ترك لنا الفرصة سانحة للبحث والتنقيب حول نشأة الكون والحياة كما في قوله تعالى في سورة العنكبوت ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الآية 20)، ولا شك أن في ذلك مجالات واسعة للتعاون والتكامل بين العلوم الشرعية والعلوم التجريبية، بما يحقق فائدة البشرية من كل من هذه العلوم، وذلك دون تدخل أي منهم في تخصص العلم الآخر إلا بالضوابط العلمية المقبولة من الجميع لإظهار الحق والحقيقة.

 البناء العظيم

يري الدكتور سعد كامل أن الخالق سبحانه وتعالى قد خلق السماوات السبع متلاصقات (رتقا) وذلك نموذج الأرض الأولية في الشكل أعلاه، ثم أمر سبحانه وتعالى برفع السماوات بغير عمد نراها، وذلك مرحلة الفتق فأصبحت السماوات بينها فراغات بعد أن كانت متلاصقات، ويطلق كاتبنا على الانتقال من الرتق إلى الفتق مسمى: البناء العظيم.

خلق مكونات الكون الكبير

ذكر مختصر تفسير ابن كثير حول قوله تعالى من سورة هود: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَان عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7))، يقول ابن كثير: “يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك. كما قال أيضا: “وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء))، قال مجاهد: (وكان عرشه على الماء) قبل أن يخلق شيئا“.

آيات سورة فصلت عن خلق الكون

جاء في آيات الخلق من سورة فصلت تفاصيل خلق السماوات والأرض في قوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)). فالآية الأولى تشير إلى أن الأرض خلقت (في يومين)، كما جاء في تفسير ابن كثير، وقال في المختصر: “أنه خلق الأرض أولا لأنها كالأساس، والأصل أن يبدأ بالأساس ثم بعده بالسقف” … ويرى كاتب هذه السطور أن هذه النقطة تحتاج إلى البحث والتدقيق حول المعنى الذي تشير إليه كلمة “الأرض”. كما جاء في المختصر عن قوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات في يومين) “أي ففرغ من تسويتهن سبع سماوات في يومين” وعن قوله تعالى: (وأوحى في كل سماء أمرها) “أي ورتب مقررا ما تحتاج إليه من الملائكة ومن الأشياء التي لا يعلمها إلا هو“.

حول رفع السماوات بغير عمد ترونها

تشير الآية 2 من سورة الرعد إلى بعض مكونات الكون، كما توضح طبيعة خلق الكون من رفع السماوات بغير عمد نراها: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2))، قال مختصر ابن كثير: “يخبر تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه، أنه الذي بإذنه وأمره رفع السماوات بغير عمد، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بُعدا لا تُنال ولا يُدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء، من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وهكذا إلى السماء السابعة“.

بين الرتق والفتق:

وعن قوله تعالى في سورة الأنبياء: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30))، يقول مختصر بن كثير: “ألم يعلم الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق المستبد بالتدبير؟ فكيف يليق أن يعبد معه غيره أو يشرك به ما سواه؟ ألم يروا أن السماوات والأرض (كانتا رتقا) أي كان الجميع متصلا بعضه ببعض، متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه عن هذه فجعل السماء سبعا والأرض سبعا (انظر الشكل أعلاه)، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض“.

(يتبع)

د.سعد كامل

أستاذ مشارك في الجيولوجيا

الإسكندرية – مصر

saadkma2005@yahoo.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى