البحث العلمى

في ظلال رحلة المعراج الكونية (24) نصوص شرعية حول أيام الخلق

بقلم: الدكتور سعد كامل

في ظل الاهتمام المتزايد بالقضايا الكونية والتوافق بين النصوص الدينية والعلوم الحديثة، يواصل الدكتور سعد كامل سلسلة مقالاته بعنوان (في ظلال رحلة المعراج الكونية)  ضمن إسهامات جريدة وموقع وضوح الإخباري ليسلط الضوء على تفاصيل خلق الكون وأوائل المخلوقات من منظور شرعي وعلمي.

أوائل المخلوقات: الماء والعرش والقلم

لا شك أن كبرى المخلوقات (الماء والعرش والقلم) هي أول ما نعرفه من النصوص الشرعية من حيث ترتيب الخلق، وقد نوقشت قضية أوائل المخلوقات في العديد من الأبحاث، ونختار أن الماء خلق أولا، وقد بنى ذلك الاختيار على استنتاج منطقي وهو ما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله خلق عرشه على الماء، فيقول أحد الأبحاث: “ومحال أن يكون خلقه عليه، والذي خلقه عليه غير موجود، فإما قبله أو معه”، إلا أن حقيقة ذلك الزمن الغيبي تحتاج إلى بحث شرعي مستقل، والله أعلم.

أما من حيث ترتيب خلق السماوات والأرض، هناك اختلاف حول ذلك بين علوم الكونيات (التي تقول بأن السماوات خلقت أولا منذ 13700 مليون سنة) كما يؤكد علماء الكونيات أنه قد تم خلق المجموعة الشمسية لاحقا (كما يتضح في التقسيم الثلاثي للزمن – انظر الشكل المرفق أعلاه)، والخلاف هنا أن بعض المفسرين يرى أن الأرض خلقت أولا قبل السماوات، وذلك بناء على ظاهر آيات سورة فصلت حيث يقول تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12))، ويعتقد كاتب هذه السطور أن هذا الخلاف حول ظاهر تلك الآيات يمكن الخروج منه كما في النصوص التالية.

خلق الأرض مقدم على خلق السماء

قال ابن عاشور في التحرير والتنوير حول آيات سورة فصلت (9 – 12): “جرى اختلاف بين علماء السلف في مقتضى الأخبار الواردة في خلق السماوات والأرض، فقال الجمهور ـ منهم مجاهد، والحسن، ونسب إلى ابن عباس: إن خلق الأرض متقدم على خلق السماء؛ لقوله تعالى هنا: (ثم استوى إلى السماء) وقوله (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) ـ إلى أن قال: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان). وقال قتادة، والسدي، ومقاتل: إن خلق السماء متقدم، واحتجوا بقوله تعالى: (بناها رفع سمكها فسواها) إلى قوله: (والأرض بعد ذلك دحاها) {النازعات: 27ـ 30}، وقد أجيب بأن الأرض خلقت أولًا، ثم خلقت السماء، ثم دحيت الأرض، فالمتأخر عن خلق السماء هو دحو الأرض“.

ويضيف ابن عاشور: “وأرجح القولين هو أن السماء خلقت قبل الأرض؛ لأن لفظ: بعد ذلك -أظهر في إفادة التأخر من قوله: ثم استوى إلى السماء ـ، ولأن أنظار علماء الهيئة (علماء الفلك) ترى أن الأرض كرة انفصلت عن الشمس، كبقية الكواكب السيارة من النظام الشمسي، وظاهر سفر التكوين يقتضي أن خلق السماوات متقدم على الأرض، وأحسب أن سلوك القرآن في هذه الآيات أسلوب الإجمال في هذا الغرض؛ لقطع الخصومة بين أصحاب النظريتين.”

مفهوم الخلق كتقدير إلهي

نقل أبو حيان في البحر المحيط حول آيات الخلق في سورة فصلت عن الرازي قوله: “والمختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدم على خلق الأرض، وتأويل الآية أن الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، يدل عليه قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون). وهذا محال، لا يقال للشيء الذي وجد: كن، بل الخلق عبارة عن التقدير، وهو في حقه تعالى حكمه أن سيوجد، وقضاؤه بذلك بمعنى خلق الأرض في يومين، وقضاؤه بأن سيحدث كذا، أي مدة كذا، لا يقتضي حدوثه ذلك في الحال، فلا يلزم تقديم إحداث الأرض على إحداث السماء”. ثم اختار أبو حيان أنه لا تعرض في الآية للترتيب، وقال: “المقصود في الآيتين الإخبار بصدور ذلك منه تعالى من غير تعرض لترتيب زماني.”.

يتضح من النصوص الشرعية المذكورة أعلاه أن أوائل المخلوقات في الكون تضم الماء والعرش والقلم، وأن خلق السماوات والأرض في ستة أيام من الأمور الخلافية التي يمكن اختصارها في العناصر التالية:

  • من حيث مفهوم اليوم (24 ساعة أو 1000 سنة أو 50000 سنة أو مطلق الوقت).
  • ومن حيث ترتيب الخلق: هل الأرض خلقت أولا؟ أم السماوات؟
  • وما هو المقصود بكلمة الأرض (الكرة الأرضية؟ أم الأرضين السبع فوق السماوات؟).
  • وهل يمكن التوفيق بين العلوم المادية والنصوص الشرعية إذا اتضح وجود توافق بينها؟

د.سعد كامل

أستاذ مشارك في الجيولوجيا

الإسكندرية – مصر

saadkma2005@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى