يوميات وطن ينزف (11) في السودان عندما تسمع وتري وتشم رائحة المجاعة
قلبي سوداني (10)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
مع دخول السودان عامه الثالث من الحرب، لم تعد المأساة تُروى فقط بالقصص، بل أيضًا بالأرقام الثقيلة.
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 33.7 مليون سوداني سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026.
رقم يبدو للوهلة الأولى مجرد إحصاء… لكنه في الحقيقة يعني أن ثلثي بلدٍ كامل يعيشون على حافة الاحتياج.
وفي دارفور، لم يعد الجوع احتمالًا… بل واقعًا مؤكّدًا.
تقارير دولية معتمدة عبر نظام التصنيف المرحلي للأمن الغذائي أكدت وصول بعض المناطق ومن بينها معسكر “زمزم” إلى مستويات المجاعة.
في معسكر “زمزم” بدارفور، لا يحتاج الناس إلى تقارير دولية ليعرفوا أن الجوع وصل يكفي أن تنظر أمٌ إلى طفلها وهو ينام بلا عشاء… لتفهم.
مثل السيدة “آمنة” التي تعرّفت على الجوع بطريقتها الخاصة: حين بدأت تقلّص وجبات أطفالها، ثم حين صارت تؤجل طعامها هي، ثم حين لم يعد هناك ما يُؤجَّل أصلًا.
وفي إحدى الليالي، وضعت الماء أمام أطفالها وقالت لهم: “اشربوا… وبكرة ربنا بيفرجها.”
كانت تعرف أن الغد قد لا يحمل طعامًا، لكنها كانت تحاول أن تحافظ على شيء أهم من الخبز…ألا هو الأمل.
لكن المجاعة هنا ليست صورة على الشاشات.
المجاعة هنا لها صوت… صوت معدة فارغة.
ولها صورة… طفل يراقب الآخرين وهم يأكلون.
ولها رائحة… رائحة عفن المطابخ التى لم يُشعل فيه نار منذ أيام.
الجوع… حين لا يكون خيارًا
في السودان اليوم، لم يعد السؤال: ماذا سنأكل؟
بل: هل سنأكل أصلًا؟
الأسواق موجودة… لكن الأسعار بعيدة عن متناول اليد.
المساعدات تصل… لكنها لا تكفي الجميع.
والطرق التي كانت تحمل الغذاء، صارت محفوفة بالخطر.
الجوع هنا لا يأتي فجأة، بل يتسلل ببطء، يسحب من المائدة طبقًا بعد آخر، حتى لا يبقى شيء.
الأب الذي كان يقلق من مصاريف البيت، صار يقلق من بقاء أطفاله أحياء.
والأم التي كانت تفكر في تعليم أبنائها، صارت تفكر كيف تمرّ بهم ليلة أخرى دون أن يبكوا من الجوع.
المجاعة… حين تتحول الحرب إلى داخل الجسد
الحرب عادة تُرى في الدمار، في البيوت المهدمة، في الشوارع الخالية.
لكن المجاعة هي شكل آخر من الحرب… حرب لا تُرى بسهولة، لأنها تحدث داخل الجسد.
الجوع لا يصرخ مثل القذائف، لكنه ينهك ببطء.
لا يهدم بيتًا، لكنه يهدم إنسانًا من الداخل.
في معسكرات النزوح، لا يموت الناس فقط من الرصاص، بل من الانتظار.
انتظار قافلة مساعدات قد تتأخر.
انتظار وجبة قد لا تصل.
انتظار خبرٍ يطمئن القلب… فلا يأتي.
بين الأرقام… ووجوه الناس
حين نقول إن 33.7 مليون إنسان يحتاجون للمساعدة، فنحن لا نتحدث عن رقم.
نحن نتحدث عن:
أمٍّ تقسم الرغيف إلى أجزاء أصغر مما يجب.
طفلٍ يتعلم مبكرًا أن الصبر على الجوع جزء من الحياة.
شابٍّ فقد القدرة على الحلم لأنه منشغل بالبقاء.
كل رقم هو حكاية.
وكل حكاية هي حياة كاملة، تحاول أن تستمر رغم كل شيء.
هل يمكن أن ينتهي هذا الجوع؟
السودان ليس بلدًا فقيرًا في موارده أرضه قادرة على الإطعام، ومياهه قادرة على العطاء، وشعبه قادر على العمل.
لكن الجوع لا يأتي من قلة الموارد… بل من الفوضى.
من الحرب التي تقطع الطرق، وتعطّل الزراعة، وتحوّل الغذاء إلى سلعة نادرة.
إنه جوع يمكن إيقافه… لو توقفت الحرب.
لو عادت الدولة.
لو أصبح الإنسان أولوية، لا نتيجة جانبية للصراع.
ما بين الجوع والأمل
رغم كل هذا، لا تزال هناك لحظات صغيرة تقاوم.
قطعة خبز يتقاسمها أكثر من شخص.
جار يطرق الباب ليعطي ما لديه، رغم قلّته.
أم تقول لأطفالها “بكرة أحسن” … وهي تحاول أن تصدّق ذلك.
السودان اليوم لا يطلب معجزات.
يطلب فقط أن يتوقف هذا النزيف الصامت.
أن لا يموت الناس جوعًا في أرضٍ كان يمكن أن تطعمهم.
وفي مكان ما داخل معسكر “زمزم”، ما زالت “آمنة” تنظر إلى أطفالها وتبتسم.
ليس لأنها لا ترى الجوع… بل لأنها ترفض أن تتركه ينتصر بالكامل.
وهذا، في حد ذاته، شكلٌ من أشكال المقاومة.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية







