
بقلم أيقونة الاتزان/ السفير د. أحمد سمير
لا يوجد جرح يوازي ألم أن تُجبر على مغادرة وطنك وأنت لا تزال تشمّ رائحته على كتفك.
تغادر، لكنك لا تغادر حقًا تأخذ معك مفاتيح لا تفتح أبوابًا في الغربة، وصورًا لا تتّسع لها الجدران الجديدة، وأصواتًا تظل تبحث عن صداها فلا تجده.
ليست هجرة ولكنه اقتلاع من الوطن
هذا ليس سفرًا عابرًا، بل سقوطٌ خارج الجغرافيا… خارج العادة، وخارج ما كنا نظنه حياة مستقرة.
منذ أن اشتعلت نار الحرب، صار السودانيون يعيشون على خريطة بلا حدود واضحة.
توزّعوا بين مدنٍ كثيرة، لا يجمعها سوى أنها ليست الوطن: من موانئ مزدحمة إلى مطارات امتلأت بوجوه لم تتخيّل يومًا أنها ستغادر بهذه الطريقة.
ممرات المطارات.. حكايات مُختصرة في حقيبة
في الممرات الطويلة للمطارات، تتكثف الحكايات في لحظات صامتة: أمّ تحمل حقيبة وطفلًا، وتجرّ خلفها تاريخًا لا يتّسع لشنطة واحدة.
شاب يقف أمام مكتب الهجرة، يحاول أن يبدو متماسكًا بينما ترتجف يداه.
رجل مسنّ يحدّق في لوحة المغادرين، كأنه يبحث عن اسم الخرطوم ليتأكد أنها ما زالت على قيد الحياة… ولو على شاشة.
كل واحد من هؤلاء لا يحمل أمتعة فقط، بل يحمل وطنًا كاملًا، مُختصرًا في ذاكرة.
ما الذي يفعله الشتات بالإنسان؟
أقسى ما في الشتات أنه لا يكتفي بتغيير المكان، بل يعيد صياغة الإنسان من الداخل.
يجعلك معلّقًا بين مكانين: مكانٍ تركته مُجبرًا، ومكانٍ لم تتجذّر فيه بعد.
تصحو في بلدٍ جديد، لكن قلبك يستيقظ كل يوم في نفس الحي القديم.
تتعلم طرقًا جديدة، لكن قدميك تحفظان الطريق إلى بيتك الأول عن ظهر قلب.
السوداني في الخارج اليوم ليس مجرد “لاجئ” أو “نازح” هو إنسان يحاول أن يحتفظ بما تبقى من هويته في داخله، أن يزرع عاداته في أرضٍ لا تعرف طقوسه، وأن يبدو قويًا… بينما يعرف في داخله أن شيئًا كبيرًا قد انكسر.
حين يصبح السؤال ثقيلًا
في المقاهي، وفي زوايا البيوت المؤقتة، تسمع نفس السؤال يتكرر بصوت منخفض: “متى نرجع؟” سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يحمل خلفه جبالًا من القلق.
العودة ليست قرارًا فرديًا هي رهينة أمانٍ لم يأتِ بعد، واستقرارٍ لم يتشكّل، وطمأنينةٍ لم تعد كما كانت.
صار الانتظار نمط حياة والحلم مؤجّلًا، لا يُلغى… لكنه لا يقترب.
خسارة لا تُرى في الخرائط
السودان لم يفقد أبناءه داخل حدوده فقط، بل فقدهم أيضًا في خريطة العالم.
الطبيب الذي كان يداوي قريته، أصبح يعمل في مستشفى لا يعرف فيه أحد قصته.
المعلّم الذي كان يدرّس تحت شجرة، صار يشرح عبر شاشة، لطلاب لا يعرفون رائحة التراب بعد المطر.
المهندس، الباحث، العامل، صاحب المتجر… تحولوا جميعًا من بناة وطنٍ إلى ضيوفٍ في أوطان الآخرين.
هذه ليست مجرد هجرة عقول، بل نزوح أرواح، تبحث عن مكانٍ تعيش فيه دون أن تفقد نفسها.
مع ذلك… الروح لا يضيع
رغم كل هذا، لم يفقد السودانيون روحهم وهذا ربما أهم ما بقي.
في الغربة، حين يجتمعون، يُعيدون تشكيل الوطن بطريقتهم: في طبق فول يُقسم بينهم، في قهوة تُقدّم بابتسامة، في لهجة دافئة تعيدهم للحظة إلى شوارع لم يعودوا فيها.
يضحكون، يحكون، ويتشاركون تفاصيل صغيرة، كأنهم يقولون للعالم: نحن لم نختفِ… نحن فقط ابتعدنا قليلًا.
ما بين الغياب والعودة
الشتات ليس نهاية الحكاية، لكنه اختبار طويل للقلب.
اختبار لمعنى الانتماء حين يصبح الوطن بعيدًا، وللقدرة على التماسك حين تتزاحم الذكريات أكثر من الواقع.
ورغم قسوة هذا الاختبار، هناك يقين هادئ يسكن القلوب: أن الغياب مؤقت… مهما طال.
سيأتي يوم، ليس بالضرورة قريبًا، لكنه قادم، يجمع هذا الشتات في خيط واحد.
سيعود السودانيون، ليس لأن الحرب ستنتهي فجأة، بل لأن الشعوب التي تُحب أوطانها بهذا العمق، لا يُمكن أن تُقام لها منفى دائم.
سيعودون… وسيحمل كل واحد منهم قطعة من العالم الذي عاش فيه، ليضيفها إلى وطنه، لا ليبدّله.
سيعودون… لا ليجدوا كل شيء كما كان، بل ليبدؤوا من جديد، بقلوب تعبت… لكنها لم تتخلَّ.
فالوطن، في النهاية، ليس مكانًا نعيش فيه فقط، بل شيء نحمله داخلنا… حتى ونحن بعيدون عنه.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية







