
بقلم أيقونة الاتزان السفير د. أحمد سمير
في إحدى قرى جنوب لبنان، ومع اشتداد القصف واضطرار عشرات العائلات إلى مغادرة منازلها، فتحت أمٌّ مسنّة باب بيتها القديم لاستقبال ثلاث عائلات لم تكن تربطها بها صلة قرابة مباشرة.
ضاقت الغرف، وافترش الأطفال الأرض، وتقاسم الجميع الطعام والماء، حتى أصبح البيت الصغير أشبه بقرية مصغرة وحين سألها أحدُ المتطوعين: “هل تعبتِ؟“ ابتسمت وقالت: “إذا بقي كل واحد وحده سنخسر جميعًا، أما إذا بقينا عائلة واحدة فلن يشعر أحد أنه غريب.”
قد تبدو هذه الكلمات عابرة، لكنها تختصر سرًا من أسرار المجتمع اللبناني.
الأسرة كملاذ أخير ومؤسسة دعم شاملة
ففي لبنان، لا تبدأ الأسرة من الأب والأم والأبناء فقط، ولا تنتهي عند جدران المنزل إنها شبكة واسعة من الأجداد والأعمام والأخوال والخالات والأقارب والجيران، تمتد خيوطها بهدوء حتى تصبح خط الدفاع الأول عندما تعجز الظروف عن حماية الناس.
لهذا، كلما مرت البلاد بأزمة، كان أول ما يتحرك ليس المؤسسات، بل الأسرة.
قد يختلف اللبنانيون في آرائهم، وقد تتباين ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، لكنهم يلتقون عند حقيقة واحدة؛ أن البيت هو الملاذ الأخير، وأن العائلة هي المكان الذي يعيد للإنسان توازنه عندما يختل كل شيء من حوله.
وربما لهذا السبب يصعب فهم لبنان من خلال أرقامه الاقتصادية وحدها فقد مر هذا البلد خلال العقود الأخيرة بسلسلة من الأزمات المعقدة؛ أزمات مالية، وتراجع اقتصادي، واعتداءات إسرائيلية متكررة طالت مناطق مدنية، وانفجار مرفأ بيروت، إلى جانب موجات نزوح داخلية أثقلت كاهل آلاف الأسر.
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذه الأزمات تركت آثارًا عميقة على مستويات المعيشة والتعليم والصحة والخدمات الأساسية، إلا أنها كشفت في الوقت نفسه عن قوة الروابط الاجتماعية داخل المجتمع اللبناني.
في كثير من المجتمعات، قد تدفع الأزمات الناس إلى الانغلاق على أنفسهم، أما في لبنان، فكثيرًا ما تدفعهم إلى توسيع دائرة العائلة.
فكم من منزل استقبل أبناء عمومة أو جيرانًا نزحوا من مناطقهم، وكم من أم قسمت الطعام القليل بين عدد أكبر من الأفراد، وكم من جدٍّ تحوّل إلى الراوي الذي يخفف خوف الأطفال بحكاياته، حتى لا يشعروا بأنهم فقدوا الأمان.
إنها تفاصيل صغيرة، لكنها تصنع الفارق بين مجتمع يتفكك تحت الضغط، ومجتمع يحاول أن يحافظ على تماسكه مهما اشتدت الظروف ولعل هذا التماسك يعود إلى طبيعة المجتمع اللبناني نفسه.
القرية اللبنانية لا تزال تحتفظ بروحها القديمة
فالقرية اللبنانية، رغم تغير الزمن، لا تزال تحتفظ بروحها القديمة يعرف الناس بعضهم بعضًا، ويتبادلون الزيارات، ويشاركون الأفراح والأحزان، ويعتبرون أن نجاح أحد أفراد المجتمع نجاح للجميع، وأن مصيبة أسرة واحدة هي مسؤولية الجميع أيضًا.
هذه الثقافة لم تولد مع الأزمات، بل سبقتها بقرون فالجبال التي احتضنت القرى اللبنانية صنعت مجتمعًا يدرك أن البقاء لا يتحقق بالفرد وحده، بل بالتعاون وكانت مواسم الحصاد، وبناء البيوت، وجني الزيتون والعنب، مناسبات يتكاتف فيها الجميع، حتى أصبحت المساعدة عادة اجتماعية أكثر منها واجبًا.
لذلك، عندما جاءت الأزمات الحديثة، وجد اللبنانيون في هذا الإرث الاجتماعي قوة ساعدتهم على الصمود.
ومن يزور القرى اللبنانية في موسم قطاف الزيتون، يدرك أن الأمر لا يتعلق بجمع الثمار فقط، بل بطقس عائلي كامل يجتمع الأجداد والأحفاد، وتُعدّ الأطعمة التقليدية، وتتعالى الأحاديث والضحكات بين الأشجار.
قد يبدو المشهد بسيطًا، لكنه يرسخ في نفوس الأطفال معنى الانتماء، ويجعل الأسرة أكثر من مجرد علاقة دم؛ يجعلها ذاكرة مشتركة.
ليس من المصادفة أن كثيرًا من اللبنانيين، حتى بعد سنوات طويلة من الاغتراب، يعودون إلى قراهم في الأعياد والمناسبات فهناك بيت قديم يحتفظ بصور الأجداد، وشجرة زرعها الأب، ومائدة لا تزال تتسع للجميع مهما طال الغياب.
الأسرة اللبنانية مؤسسة اقتصادية واجتماعية ونفسية
هذا الارتباط العاطفي بالأسرة هو أحد أسباب قدرة المجتمع اللبناني على تجاوز كثير من المحن.
فعندما تعرض لبنان لانهياره الاقتصادي غير المسبوق، لم تقتصر المساندة على المؤسسات الخيرية، بل تحولت البيوت نفسها إلى شبكات دعم.
أبناء يعملون في الخارج يرسلون الأموال إلى أسرهم، وأخ يستضيف أخاه، وأخت تساعد شقيقتها، وأجداد يتكفلون برعاية الأحفاد حتى يتمكن الآباء من البحث عن عمل.
لقد أصبحت الأسرة، في كثير من الأحيان، مؤسسة اقتصادية واجتماعية ونفسية في آن واحد.
دور محوري للمرأة اللبنانية
كما لعبت المرأة اللبنانية دورًا محوريًا في الحفاظ على هذا التماسك ففي أصعب الظروف، لم تكتفِ بإدارة شؤون المنزل، بل شاركت في إيجاد حلول عملية؛ من إعداد الأطعمة المنزلية وبيعها، إلى إحياء الحرف التقليدية، وإطلاق مشروعات صغيرة، والمشاركة في الأعمال التطوعية، والمساهمة في تعليم الأطفال داخل المنزل عندما تعثرت العملية التعليمية.
أما كبار السن، فلم يكونوا مجرد شهود على الأحداث، بل كانوا حراس الذاكرة كانوا يروون للأحفاد قصصًا عن أزمات سابقة تجاوزها لبنان، ليؤكدوا لهم أن ما يمرون به اليوم، مهما بدا صعبًا، ليس نهاية الطريق.
فعلى الرغم من أن الأزمات تترك آثارًا نفسية عميقة في نفوسهم، فإن الأسرة اللبنانية تحاول، بكل ما تستطيع، أن تحافظ على مساحة من الطفولة داخل البيت لعبة بسيطة، أو قصة قبل النوم، أو اجتماع العائلة حول مائدة الطعام، قد تكون وسائل صغيرة، لكنها تمنح الطفل شعورًا بأن العالم لم يفقد إنسانيته بالكامل.
وقد أكدت تقارير اليونيسف ومنظمات الأمم المتحدة أن الأسرة المستقرة تمثل أحد أهم عوامل حماية الأطفال من الآثار النفسية والاجتماعية للأزمات، وهو ما جعل دعم الأسر أولوية في كثير من البرامج الإنسانية داخل لبنان.
الارتباط الدائم بالجاليات المنتشرة في الخارج
ولا يمكن الحديث عن الأسرة اللبنانية دون التوقف عند الاغتراب فلبنان من أكثر دول العالم ارتباطًا بجالياته فملايين اللبنانيين يعيشون في مختلف القارات، لكن المسافات لم تستطع أن تقطع خيط العائلة فالمكالمات اليومية، والزيارات الموسمية، والتحويلات المالية، والمشاركة في المناسبات، كلها تعكس أن الانتماء للأسرة يبقى حاضرًا مهما ابتعدت الجغرافيا.
لذلك، حين تمر البلاد بظرف استثنائي، لا يشعر اللبناني المقيم في الخارج أنه بعيد عن الحدث، بل يعتبر نفسه جزءًا من المسؤولية، فيدعم أسرته، ويساعد مجتمعه، ويحاول أن يبقى متصلًا بجذوره.
ورغم كل هذه القوة، لا ينبغي أن ننظر إلى الأسرة اللبنانية وكأنها تعيش خارج الضغوط.
فارتفاع تكاليف المعيشة، والهجرة، وفقدان بعض الشباب فرص العمل، وآثار الاعتداءات العسكرية على مناطق مدنية، كلها تحديات تركت بصماتها على الحياة الأسرية.
بعض العائلات تفرقت بين دول مختلفة، وبعض الأطفال كبروا بعيدًا عن أحد الوالدين بسبب ظروف العمل أو النزوح، وبعض البيوت فقدت أحباءها أو مصادر رزقها.
لكن المدهش أن هذه التحديات لم تنجح في كسر الفكرة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع اللبناني؛ وهي أن الأسرة ليست مجرد رابطة اجتماعية، بل مصدر للقوة النفسية والكرامة والقدرة على الاستمرار.
مقياس ثراء الأسرة اللبنانية
ولعل أجمل ما في الأسرة اللبنانية أنها لا تقيس ثراءها بما تملك، بل بمن يجلس حول مائدتها فقد تقل الموارد، وتضيق البيوت، وتتغير الأحوال، لكن مكانًا إضافيًا يظل موجودًا دائمًا لضيف، أو قريب، أو جار، أو صديق يحتاج إلى المساندة وهذا ما يجعل الأسرة، في لبنان، أكثر من مؤسسة اجتماعية.
إنها المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى التضامن، والملجأ الذي يحتمي به عندما تضيق به الحياة، والجسر الذي يربط الماضي بالحاضر، ويمنح المستقبل فرصة جديدة.
ربما لا تستطيع الأسرة اللبنانية أن تمنع الأزمات، ولا أن توقف الحروب، ولا أن تعيد الزمن إلى الوراء، لكنها تستطيع أن تمنح أبناءها ما هو أثمن من ذلك كله؛ شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم وهذا الشعور، في أوقات الشدة، قد يكون أعظم أشكال الثروة.
فقد تهتز الجدران تحت وطأة الأزمات، لكن البيت الذي تبنيه المحبة والتكاتف لا يسقط بسهولة، والأسرة التي تحفظ أبناءها في قلبها، تستطيع أن تحفظ وطنًا بأكمله في ذاكرته ومستقبله.
فلبنان، مهما أثقلته الجراح، يبقى وطنًا يكتب تاريخه بالحياة أكثر مما كتبته الحروب
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية









