أراء وقراءات

حين تصبح الصورة أهم من الذات: السوشيال ميديا وصناعة “الهوية الرقمية”

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

في زمن تحكمه الشاشات والتطبيقات، لم تعد قيمة الإنسان تُقاس بما يفعله أو بما يقدمه، بل بما يراه الآخرون عنه عبر الصور والفيديوهات والمنشورات.

 منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت أداة لصناعة صورة مثالية تُعرض للعالم، أحيانًا على حساب تطوير الذات الحقيقية وبناء القيم والهوية الداخلية.

التمثيل المستمر: عرض الحياة بدل عيشها

في كل يوم، يشارك المستخدمون لحظات مختارة بعناية، من أفضل الصور، وأجمل الملابس، وأرقى الأجواء، بينما تُخفى اللحظات العادية أو الصعبة… هذه العملية تُحوّل الحياة الواقعية إلى نسخة رقمية منقحة، تشبه الدعاية أكثر من الواقع، مما يربك العقل بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع.

المظاهر تتفوق على الجوهر

السوشيال ميديا حفّزت التركيز على المظهر الخارجي والنجاحات الظاهرية، أكثر من تطوير المهارات أو القيم الداخلية. عدد اللايكات والتعليقات أصبح مقياسًا “للقبول الاجتماعي”، وهو ما يعيد ترتيب أولويات الأفراد: أن تظهر بشكل جيد بدل أن تكون جيدًا فعليًا، وأن تُرضي الآخرين بدل نفسك.

الهشاشة النفسية خلف البريق

هذه الصور المثالية ليست بلا ثمن، كثيرون يعيشون شعورًا مستمرًا بالنقص أو القلق، يقارنون أنفسهم بما يرونه، بدل التركيز على ذاتهم… الشباب خصوصًا يصبحون عرضة للضغط النفسي، الشعور بالوحدة، وتراجع الثقة بالنفس، لأن معيار النجاح أصبح رقميًا وليس ذاتيًا.

تأثير الظاهرة على العلاقات الأسرية والاجتماعية

هذا الانشغال بالتمثيل الرقمي لا يقتصر على الفرد وحده. داخل الأسرة، يميل الأبناء إلى مقارنة حياتهم بالصورة الرقمية المثالية للآخرين، مما يولد توترًا وصراعات داخلية. كما يمكن أن يؤثر على التفاهم بين الأزواج، حيث يركّز أحد الطرفين على المظاهر أكثر من التواصل الفعلي، ويصبح الحوار صعبًا والوقت المشترك ناقصًا.

الوعي والمقاومة الرقمية

الخبرة تقول إن الحل لا يكمن في الانعزال عن السوشيال ميديا، بل في الوعي الرقمي وإعادة ترتيب الأولويات:

▪️تعليم الأبناء أن اللايكات ليست مقياسًا للقيمة.

▪️تعزيز التفاعل الواقعي والحوار داخل الأسرة.

▪️تشجيع تطوير الذات بعيدًا عن جمهور افتراضي.

▪️تحويل منصات التواصل من “مؤشر للنجاح” إلى أداة تعليمية وتواصلية فقط.

وختاماً .. الذات الحقيقية أقوى من الصورة

في عالم رقمي يركّز على المظاهر، يصبح بناء الذات فعل مقاومة ووعي. الصورة التي نصنعها قد تجذب الانتباه، لكنها لا تمنح الرضا الداخلي. القيمة الحقيقية تأتي من الداخل، من مهاراتنا، من أخلاقنا، ومن العلاقات الصادقة. أما الصورة الرقمية، فهي مجرد عرض… ونحن من يقرر كيف نعيش وراءها.

دكتورة هناء خليفة 

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

زر الذهاب إلى الأعلى