الصبر والمصابرة في مدرسة رمضان

كتب / الدكتور أمين رمضان
في غمرة الحياة المتسارعة، وبينما تتجاذب الإنسانَ نوازعُ الأرض وهواتفُ السماء، يطل علينا شهر رمضان لا ليكون مجرد موسم للامتناع عن الطعام والشراب، بل ليكون “مدرسة” تربوية عليا تعيد صياغة الإرادة الإنسانية. إن الدرس الأبرز الذي يتلقاه الصائم في هذا الشهر هو درس “الصبر”، ذلك الزاد الضروري للمضي في طريق الحياة الشاق الطويل، المليء بالتحديات.
الزاد الذي لا ينفد
يشير القرآن بوضوح إلى أن الحياة عقبة واقتحام، وأن الاستقامة على منهج الله تتطلب جهداً ضخماً لمغالبة جواذب الأرض وشهوات النفس وكيد الخصوم. ولما كان الله سبحانه يعلم ضعف الإنسان ومحدودية طاقته أمام هذه الأعباء، فقد دله على الزاد الذي لا ينفد، وهو الصبر المقرون بالاتصال بالله عبر الصلاة. يقول الحق سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (سورة البقرة: 153).
إن هذا النداء يقرر أن الصبر ليس مجرد حالة سلبية من التحمل، بل هو استعانة إيجابية، ومدد يسكب في القلب الطمأنينة والثقة والأمل، خاصة حين يوقن المؤمن “إن الله مع الصابرين”.
في رمضان، يتدرب المسلم على “الصبر” حين يمنع نفسه عن الطعام والشراب الحلال استجابة لأمر الله، ويتدرب على “المصابرة” حين يواصل هذا الصبر يوماً بعد يوم، مصابراً ألم الجوع، ومغالباً رتابة العادة، ومرابطاً على ثغر العبادة، فلا ينسحب ولا ينهزم أمام ضغوط الغرائز.
الابتلاء سنة جارية
إن مدرسة رمضان تعلمنا أن الابتلاء سنة جارية لا تتخلف، سواء كان الابتلاء بالشدة أو بالرخاء، بالجوع أو بالشبع. والصيام هو التدريب العملي على استقبال أقدار الله بالرضى والتسليم. يقرر القرآن هذه السنة الكونية، ويبشر الناجحين في الاختبار بجائزة لا تعدلها كنوز الأرض، وهي “صلوات الله ورحمته”. يقول تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} (سورة البقرة: 155-157).
طاقة من النور
إن التعبير بـ “بشر الصابرين” يفتح طاقة من النور في جدار الألم والمشقة. فالصائم الذي يصبر على “نقص الثمرات” والجوع الاختياري، يؤهل نفسه للصبر على نقصها الاضطراري في معترك الحياة، مستعيضاً عن الفقد المادي بالصلوات والرحمة الربانية التي تملأ جوانح النفس بالسكينة والصبر الإيجابي الذي يحمي المؤمن من الاستسلام واليأس.
الخلاصة إن شهر رمضان هو “شهر الصبر” بامتياز. فيه تتحرر الإرادة من عبودية العادة، وفيه يرتقي المسلم من درجة الصبر على نفسه إلى درجة المصابرة لعدوه ولفتن الحياة. وبذلك يتحقق الهدف الأسمى الذي أعلنه القرآن في آية الصيام: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة: 183)، فالتقوى هي الثمرة النهائية لشجرة الصبر والمصابرة الوارفة.
الدكتور / أمين رمضان
5 رمضان 1447 ه / 23 فبراير 2026 م




