أراء وقراءات

التوازن المفقود: بين أشواق الروح وحاجات الجسد

كتب – الدكتور أمين رمضان 

تعيش البشرية اليوم صراعاً مريراً وتمزقاً نفسياً بين تيارين متطرفين: تيار مادي يغرق في تلبية نداء الجسد حتى يهبط بالإنسان إلى درك الحيوانية (وما فضيحة جزيرة إبستين ببعيده)، وتيار رهباني يكبت الفطرة ويحرم الطيبات بدعوى السمو بالروح. وبين هذا الإفراط وذلك التفريط، يضيع “التوازن” الذي فطر الله الناس عليه، ويشقى الإنسان لأنه يصادم نواميس فطرته.

تتجلى روعة تطبيقات المنهج القرآني في مدرسة الصيام ليعيد صياغة هذا الإنسان على نحو فريد، فلا هو ملاك نوراني لا يحتاج إلى الطعام والشراب، ولا هو حيوان نهم يعيش لشهوته. إنه كائن “متوازن”، خلقه الله من قبضة طين ونفخة روح، ومنحه منهجاً يلبي أشواق الروح دون أن يحطم حاجات الجسد، ويلبي رغبات الجسد دون أن يقتل شفافية الروح.

وقد استنكر القرآن بشدة على الذين يحرمون زينة الله وطيبات الحياة بدعوى التدين، مؤكداً أن الاستمتاع بالطيبات (باعتدال) هو جزء من الشكر لله وجزء من طبيعة الحياة السوية. يقول الحق سبحانه وتعالى في آية حاسمة تقطع دابر التزمت والرهبانية: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (سورة الأعراف: 32).

إن الصيام في رمضان ليس عملية “تعذيب” للجسد، ولا دعوة دائمة للحرمان، بل هو دورة تدريبية مؤقتة لضبط “التوازن”. إنه يعلمنا أننا نمتلك القدرة للسيطرة على رغباتنا ولا تملكنا هي. وحين يوجهنا القرآن في هذا الشهر وفي غيره، فإنه يضع القاعدة الذهبية للتوازن: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (سورة الأعراف: 31).

فالإسلام لا يريد كبت الطاقة الحيوية في الإنسان، ولا كبت دوافعه الفطرية، إنما يريد ضبطها وتنظيمها لتؤدي دورها في امتداد الحياة وترقيتها، بدلاً من أن تنطلق سعاراً محموماً يدمر الحياة (كما انطلقت في جزيرة الشيطان إبستين، وكانت الفضيحة عالمية في الانتشار). وهذا التوازن هو السمة المميزة لهذه الأمة التي أراد الله لها أن تكون “أمة وسطاً” في كل شيء، في التصور والاعتقاد، وفي الشعور والسلوك، لتكون شهيدة على الناس بميزانها العادل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (سورة البقرة: 143).

في رمضان، نستعيد هذا “التوازن المفقود”. نصوم فنغذي الروح ونسمو بها، ونفطر فنلبي حاجة الجسد ونمتعه بما أحل الله. وبذلك وحده يتحقق السلام الداخلي عندما يتحقق هذا التوازن، وتستقيم الحياة على الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

الدكتور / أمين رمضان

6 رمضان 1447 ه / 24 فبراير 2026 م

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى