أراء وقراءات

الأسرة محضن التربية وبناء الإنسان

كتب / الدكتور أمين رمضان

في خضمّ الأمواج العاتية والمستمرة التي تحاول بكل الوسائل الشيطانية هدم الهوية الإسلامية عند الأطفال والشباب، وهدم الأسرة الركيزة الأساسية لبناء الإنسان الذي يساهم في بناء مجتمع صالح، متقدم، آمن لمن فيه، درع لمن يعاديه.

يهلّ علينا شهر رمضان المبارك بنسائمه الروحية الندية، ليعيد صياغة الوجدان البشري ويضبط بوصلة الحياة. وفي قلب هذا التحول الروحي الكبير، يبرز “البيت المسلم” ليس كمجرد جدران مادية تؤوي أفراداً، بل كـ “محضن” تربوي متكامل، ومختبر حقيقي تُصنع فيه شخصية الإنسان وتُغرس فيه بذور القيم. إن مسؤولية الأسرة في هذا الشهر الفضيل تتجاوز بكثير توفير طعام الإفطار والسحور، لترتقي إلى أمانة “بناء الإنسان” أي بناء جيل متصل بخالقه ومستقر في ذاته، فينعكس ذلك نوراً وعمراناً على المجتمع بأسره.

المنظور القرآني: الأسرة قلعة الوقاية ومحراب الصلاح

ينظر القرآن الكريم إلى الأسرة باعتبارها الجسر الأوحد بين حفظ الإنسان وضبط أحوال العمران البشري. وتنطلق مسؤولية الآباء من مبدأ “الأمانة” و”الوقاية”، وهو ما تجلى بأعظم صورة في النداء الإلهي الحاسم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا …} (سورة التحريم: الآية 6). يشير المفسرون إلى أن فعل “قُوا” هو أمر جازم بالوقاية وحفظ الشيء مما يضره، وهذه الوقاية لا تتحقق إلا بإصلاح النفس أولاً ثم إصلاح الأهل بتعليمهم وتوجيههم وتجنيبهم المعاصي وبناء شخصيتهم. في رمضان يجب أن يتحول البيت إلى قلعة إيمانية تُسد فيها ثغرات النفوس، وتُحصن فيها الأجيال ضد الانحرافات. ويتجلى الطموح القرآني للأسرة في أن تكون مصدر إشعاع وقيادة في طريق الخير، مصداقاً لدعاء عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (سورة الفرقان: الآية 74).

المنظور التربوي وأساسيات التربية الخمسة

كثيراً ما يقع الآباء في فخ الخلط بين “الرعاية” والمتمثلة في الإطعام، والكسوة، والمظهر الحسن، وحل الواجبات المدرسية، وبين “التربية” الحقيقية العميقة. إن الرعاية يمكن تفويض جزء منها للغير، أما التربية فهي مسؤولية لا تقبل التفويض. تقوم التربية الحقيقية التي يجب أن تتخذ من رمضان مدرسة تطبيقية لها، على أساسيات خمسة كبرى:

  1. بناء القناعات: وتشمل غرس العقيدة، المبادئ، القيم، الطموحات، والفهم الصحيح للحياة. ورمضان هو الفرصة لغرس الإخلاص ومراقبة الله في السر والعلن.
  2. توجيه الاهتمامات: وتُعنى بما يشغل بال الطفل وكيف يقضي وقت فراغه، عبر توجيهه نحو القرآن والأنشطة الرمضانية الهادفة بدلاً من هدر الوقت أمام الشاشات التي تدمره.
  3. تنمية المهارات: بأنواعها العقلية، والاجتماعية، والإدارية، كتعليمه تحمل المسؤولية عبر إشراكه في تجهيز مائدة الإفطار أو توزيع الصدقات وغيرها من مهمات.
  4. فهم قواعد العلاقات: تعليم الطفل من يصاحب ومن يتجنب، وكيف يبني علاقاته، وهو ما يتعزز في رمضان بصلة الرحم والاجتماع العائلي.
  5. اختيار القدوات: وهم الأمثال العليا الذين يتطلع الأبناء ليصبحوا مثلهم. وفي رمضان، يجب أن يكون الأب والأم هما القدوة الحية في الصبر، وكظم الغيظ، والتسامح، والعبادة، وحمايتهم من تأثير النماذج التي تدمر شخصيتهم.

المنظور النفسي: الذكاء الوجداني وموائد الاحتواء

من زاوية علم النفس، يمثل التجمع الأسري الرمضاني علاجاً سحرياً لـبناء “الأمان” لدى الأبناء. إن جلوس الأسرة معاً على مائدتي الإفطار والسحور، في جو من الدفء والسكينة، وتجاوز لغة اللوم والتجريح، يبني في قلوب الصغار طمأنينة لا تُمحى؛ فما يرسخ في ذاكرتهم ليس مشقة الجوع، بل العاطفة الأسرية الدافئة والحديث العطوف المتبادل.

علاوة على ذلك، يُعد الصيام من أقوى أدوات بناء “الذكاء العاطفي”؛ فهو يدرب الإرادة الإنسانية على “ضبط النفس” وتأجيل الرغبات، ويعزز الثبات الانفعالي والهدوء الداخلي، مما يرفع من كفاءة الطفل الذاتية وثقته بنفسه لمواجهة تحديات الحياة المعقدة. إن الأسرة التي يغلفها التراحم والمودة، تبني للطفل “درعاً نفسياً” يقيه من القلق والاضطرابات السلوكية.

الأثر المجتمعي: من صلاح الفرد إلى عمارة الأرض

إن المجتمع ما هو إلا نسيج يتألف من خيوط هذه الأسر، ولا يمكن الحديث عن مجتمع راشد دون أسر سوية متماسكة. وحين تنجح الأسرة في أداء دورها كمحضن تربوي ونفسي وفق الأساسيات الخمسة خلال رمضان، فإن أثر ذلك ينسحب مباشرة على استقرار المجتمع وأمنه.

الأسرة المستقرة التي تغرس في أبنائها قيم الإحسان، والعفة، ومراقبة الله، وصلة الرحم، واتقان العمل، تُصدّر للمجتمع أفراداً أسوياء صالحين يسهمون في “عمارة الأرض” والتدافع الإيجابي. إن تحصين الأسرة هو الضمانة الأكيدة لصلاح المجتمع، وحفظ الفطرة الإنسانية من الانتكاس والتوحش في عالم يتجه نحو السيولة الأخلاقية وتفكيك الروابط الإنسانية.

خاتمة

لم تكن عبارة “البيت هو المحضن” يوماً شعاراً عابراً، بل هي حقيقة قرآنية وقاعدة نفسية وتربوية راسخة. في رمضان، تُفتح لنا أبواب السماء بالرحمات، وتُفتح لنا أبواب البيوت لنعيد ترميمها من الداخل، بعدما آل معظمها إلى التصدع والانهيار. فلنتجاوز حدود “الرعاية” المادية المحدودة، ولنرتقِ إلى آفاق “التربية” الشاملة، لنجعل من بيوتنا في هذا الشهر الفضيل قلاعاً للسكينة، ومحاريب للنور، حتى نُخرج للمجتمع جيلاً فاعلاً يُقرّ العين في الدنيا، ويكون إماماً للمتقين وعمراناً للأرض وصلاحاً للمجتمع.

الدكتور / أمين رمضان

10رمضان 1447 هـ / 28 فبراير 2026 م

 

زر الذهاب إلى الأعلى