هندسة المشاعر: كيف يعيد رمضان ترتيب “غرفة التحكم” في عقولنا؟

كتب / الدكتور أمين رمضان
هل تساءلت يوماً مَن الذي يمسك بمقاليد الأمور داخل عقلك حين يشتد الغضب أو يطرق القلق بابك؟ في عالم اليوم المزدحم، نكاد نفقد السيطرة على “غرفة التحكم” النفسية الخاصة بنا، تماماً كما حدث في فيلم (Inside Out) حين تلاطمت أمواج المشاعر وتصارعت على القيادة.
يهل علينا شهر رمضان كل عام، لا ليكون مجرد امتناع بدني عن الطعام والشراب، بل ليقدم لنا دورة مكثفة في “التربية النفسية” وإدارة مشاعرنا بطريقة إيجابية. إنه يمنحنا فرصة استثنائية، لنا ولأبنائنا وأحفادنا، لنتعلم كيف ندير انفعالاتنا بدلاً من أن تديرنا هي وتتحكم فينا، ونندم على كثير من القرارات بعد أن تصدمنا نتائجها.
لتوضيح هذه الفكرة للأجيال الجديدة، يمكننا استعارة صورة بصرية مبدعة قدمتها السينما العالمية من خلال فيلم الرسوم المتحركة الشهير (Inside Out). يغوص هذا الفيلم بجزئيه الأول والثاني داخل عقل طفلة (ثم مراهقة في الجزء الثاني)، ليصور مشاعرها الأساسية كشخصيات حية تقف أمام “لوحة تحكم” وتقود تصرفاتها. في الجزء الأول، نتعرف على مشاعر: الفرح، الحزن، الغضب، الخوف، والاشمئزاز. بينما يطرح الجزء الثاني مشاعر أكثر تعقيداً تناسب مرحلة الشباب، وعلى رأسها “القلق” (Anxiety).
وإذا تأملنا مدرسة الصيام، سنجد أنها تقدم أعظم تدريب عملي لضبط “لوحة التحكم” هذه، وإعادة التوازن لغرفة القيادة في عقولنا.
-كبح جماح “الغضب” وترويض النفس
في الفيلم، نرى شخصية “الغضب” تشتعل سريعاً وتتخذ قرارات مندفعة قد تؤذي صاحبتها ومن حولها. في نهار رمضان، يتعرض الإنسان للجوع والعطش وضغوط العمل، مما يجعل زر “الغضب” قريباً من الانفجار. هنا يتدخل الصيام ليعلمنا كظم الغيظ والتحكم في ردود الأفعال، فنستبدل الانفعال بالهدوء بكلمتين فقط “إني صائم”.
يقول المولى عز وجل:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
وهذا الضبط الذاتي يحتاج إلى تدريب ومجاهدة مستمرة، تماماً كما عبر عن ذلك الإمام البوصيري في قصيدته الشهيرة، مشبهاً النفس بالطفل الذي يحتاج إلى فطام:
وَالنَّفْسُ كَالطفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى … حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
فَاصْرِفْ هَوَاهَا وَحَاذِرْ أَنْ تُوَلِّيَهُ … إِنَّ الْهَوَى مَا تَوَلَّى يُصْمِ أَوْ يَصِمِ
معنى البيتين:
تعامل مع رغباتك تماماً كما تتعامل مع طفل صغير؛ إذا اعتاد هذا الطفل أن ينال كل ما يطلبه، فسيظل يطالب بالمزيد ولن يتعلم أبداً معنى الانضباط. النفس أيضاً تحتاج إلى “حزم حنون”؛ فإذا عودتها على الصبر والترك، ستعتاد على ذلك وتصبح أهدأ وأكثر طاعة لك.
-استثمار “الحزن” لتوليد التعاطف
من أعمق رسائل فيلم (Inside Out) في جزئه الأول، أن شخصية “الحزن” ليست سيئة كما تبدو، بل هي ضرورية لتوليد “التعاطف” الإنساني وجعل الآخرين يقتربون لمساعدتنا. في رمضان، يختبر الصائم ألماً مؤقتاً وحرماناً إرادياً (الجوع والعطش) ليوقظ في قلبه مشاعر الرحمة والتعاطف مع الفقراء والمحتاجين. الجوع هنا ليس عقاباً، بل هو مفتاح للشعور بالآخر، وجسر يربط بين طبقات المجتمع بالصدقات والتكافل.
-مواجهة “القلق” بالسكينة واليقين
يعيش الشباب اليوم في عصر سريع مليء بالمقارنات، مما يجعل شخصية “القلق” (Anxiety) تسيطر على لوحة التحكم في عقولهم، كما ظهر بوضوح في الجزء الثاني من الفيلم. القلق من المستقبل، والخوف من رأي الآخرين، والتوتر الدائم.
يأتي رمضان بنظامه اليومي الدقيق (سحور، صيام، إفطار، تراويح) ليمنح النفس إيقاعاً هادئاً، ويغرس في القلوب التوكل المطلق على الله، مما يهدئ من روع القلق ويرد المشاعر إلى مسارها الصحيح. مصداقاً لقوله تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
-بناء الجزر الآمنة للأجيال
يركز الفيلم على أن شخصية الإنسان تتكون من “جزر” مبنية على ذكريات جوهرية عميقة داخل النفس (جزيرة العائلة، الصداقة، الأمانة). رمضان هو أعظم بناء لهذه الجزر في نفوس الأطفال والشباب. اجتماع الأسرة على مائدة واحدة، الذهاب للمسجد للصلاة، والمشاركة في أعمال الخير، كلها تبني “ذكريات جوهرية” سعيدة وآمنة، تحمي أرواحهم من التشتت في المستقبل.
الخلاصة:
المشاعر نعمة من الله سبحانه وتعالى، كل شعور يحمل لنا رسالة حماية في سياق معين. إن القدرة على إدارة المشاعر ليست مجرد رفاهية، بل هي أساس السواء النفسي والنجاح الاجتماعي. رمضان مدرسة، فلتكن نفوسنا فيها أنجح الفائزين بتوفيق الله لنا.
الدكتور / أمين رمضان
15 رمضان 1447 ه / 5 مارس 2026 م




