أراء وقراءات

شهر رمضان.. بين أمجاد الانتصار وواقع الانكسار

كتب – الدكتور أمين رمضان

يُطل علينا شهر رمضان في كل عام، ليحمل معه نسمات الإيمان وفرصة التغيير. ولكن، من يتأمل واقعنا اليوم، يجد مفارقة مؤلمة تستحق التوقف والمصارحة؛ فقد تحول هذا الشهر في حياة شريحة واسعة من المسلمين من “شهر للجهاد والعمل” إلى “شهر للرقاد والكسل”. فرغم أن هناك من لا يزال يجتهد في العبادة وإصلاح النفس، إلا أن الثقافة العامة الغالبة حولت رمضان إلى موسم استهلاكي بامتياز، تسيطر عليه تقاليد موروثة لا علاقة لها بجوهر الدين، والغاية من الصيام.

كما يهل علينا رمضان هذا العام 1447هـ، والعالم الإسلامي يواجه زلزال استعماري صهيوأمريكي، يحرق الأخضر واليابس، يحول المدن لخراب، والأخضر لرماد، والناس إلى أشلاء، كل هذا أمام سمع وبصر العالم كله. جاء لينهب ثروات من دول لم تقدرها، ولا تعرف كيف تستخرجها، وينهب نعم كفر بها أصحابها شرقاً وغرباً، وتلك سنة الله وناموسة الكوني، الذي قال عنه:

﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا قَرۡیَةࣰ كَانَتۡ ءَامِنَةࣰ مُّطۡمَىِٕنَّةࣰ یَأۡتِیهَا رِزۡقُهَا رَغَدࣰا مِّن كُلِّ مَكَانࣲ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَ قَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُوا۟ یَصۡنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢].

العالم الإسلامي كله يعيش أيام انكسار وألم، حذره منه الله سبحانه وتعالى، فلم يستجب، وحذره منها كُتََاب الفكر والسياسة، لكنه لم يرعوى.

آن الأوان لنستعيد ذاكرة الانتصارات، فقد عاش المسلمون أيام مجيدة في رمضان عبر التاريخ، لعلنا ننتصر على أنفسنا أولاً، فننتصر على أعداءنا، وهم كُثْر.

صفحات مشرقة: رمضان شهر الجد والانتصارات

إذا عدنا إلى التاريخ وقرأنا ما دونه كُتّاب السيرة والمؤرخون، سنجد أن رمضان لم يكن يوماً عذراً للتوقف عن العمل أو الاستسلام للراحة. بل كان محطة لانطلاق أعظم الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ الإنساني، وسجلاً حافلاً بالانتصارات:

  • غزوة بدر الكبرى (سنة 2 هـ): قلة عدد لكن نصر من عند الله. خاض المسلمون وهم صيام أولى معاركهم الفاصلة، ورغم قلة العدد والعتاد، كان الجهد واليقين سبباً في نصر مؤزر. يقول الله تعالى مُذكّراً بهذا الفضل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]
  • فتح مكة (سنة 8 هـ): تحقق الحلم الأكبر بفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا، وهو الفتح الأعظم الذي أعز الله به الإسلام. يقول الإمام ابن القيم في كتابه “زاد المعاد” واصفاً هذا الحدث: “وهو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين.. وكان ذلك في رمضان”.
  • عودة النبي ﷺ من غزوة تبوك (سنة 9 هـ): عاد جيش العسرة منتصراً بعد رحلة شاقة مليئة بالتضحيات والعمل الجاد في أشد أوقات الحر.
  • فتح الأندلس (92هـ): بداية حضارة عظيمة، حضارة الأندلس، وقت أن كانت أوروبا تعيش عصور مظلمة.
  • معركة بلاط الشهداء (سنة 114 هـ): تلك المعركة الفاصلة والشهيرة التي سطر فيها المسلمون بقيادة عبد الرحمن الغافقي أروع ملاحم البطولة الميدانية أمام جيش الفرنجة بقيادة شارل مارتل.
  • فتح عمورية (سنة 223 هـ): يوم استجاب الخليفة المعتصم لنداء الاستغاثة من امرأة مسلمة وقعت في الأسر فصرخت مستنجدة: “وا معتصماه!”، فحرك جيشاً كبيراً حقق نصراً حاسماً على الروم في شهر الصيام.
  • فتح حارم (سنة 559 هـ): انتصار إسلامي عظيم بقيادة نور الدين زنكي على الصليبيين في بلاد الشام.
  • معركة عين جالوت (سنة 658 هـ): وقف المسلمون بقيادة سيف الدين قطز سداً منيعاً لحماية أراضيهم، كانت هذه المعركة هي المرة الأولى التي يُهزم فيها المغول في معركة حاسمة، مما أوقف زحفهم نحو مصر والمغرب العربي، وأنقذت الحضارة الإسلامية من الانهيار التام بعد سقوط بغداد.
  • معركة شقحب (سنة 702 هـ): معركة حاسمة أخرى انتصر فيها المسلمون على التتار، مؤكدين أن إرادة الصائم لا تُقهر.
  • حرب أكتوبر (10 رمضان 1393هـ – 6 أكتوبر 1973م): وهي المعركة التي عبر فيها الجيش المصري خط بارليف وكسر المستحيل، وهو يصيح الله أكبر.

لم يكن الجوع والعطش عائقاً يوماً، بل كان الصيام مدرسة لشحن الروح بالطاقة الإيمانية التي تقوي الإرادة والعزيمة، وتنتصر في ميادين القتال.

الفجوة المؤلمة: غرق في الملذات واستخفاف الخصوم

ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أبعد واقعنا عن تاريخنا! لقد اتسعت الفجوة بين رسالة شهر رمضان التي جاء بها الإسلام، وبين ممارساتنا اليومية الآن في هذا الشهر.

لقد غرق الكثيرون في بحر من الملذات والشهوات والعادات التي تناقض الهدف الأسمى من الصيام وهو “التقوى”؛ فأصبح النهار موعداً للنوم الطويل هرباً من تعب الصيام، والليل مسرحاً للسهر والولائم ومتابعة ما لا يفيد. ابتعدنا عن تحقيق رسالتنا في بناء الأوطان وتزكية النفوس، واكتفينا بقشور العبادات والاحتفالات الشكلية.

هذا التراجع، والتخلي عن الجدية والعمل، لم يمر دون ثمن. فكما يُعلمنا التاريخ؛ الأمة التي تنام عن حقوقها ومسؤولياتها، تستيقظ على ضياعها. لقد أدى ضعفنا وتفرقنا وانشغالنا بسفاسف الأمور إلى استهانة أعدائنا بنا، فانتُهكت الحرمات، واحتُلت الأراضي، وسُلبت الثروات، لأننا باختصار فقدنا أسباب القوة التي أمرنا الله بالأخذ بها.

يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في أبيات تلخص هذا المعنى بدقة:

وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي * وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا

وَما اِستَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ * إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا

العودة إلى الروح الحقيقية

إن الله سبحانه وتعالى قد وضع لنا قاعدة ثابتة للتغيير والنهوض، وهي تبدأ من داخلنا نحن. يقول تبارك وتعالى:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ [الرعد: 11]

لا يمكننا أن نستعيد مكانتنا أو نحمي أوطاننا ومقدراتنا ونحن نغط في سبات عميق. رمضان يجب أن يعود كما كان؛ مصنعاً لتربية الإرادة التي تستمر على مدار العام، وشهر عمل وإنجاز متميز، ومحطة لنفض غبار الكسل عن عقولنا وأرواحنا لتنطلق في بناء مستقبل مشرق للإنسان والأوطان.

التغيير يبدأ بخطوة بسيطة: أن ندرك أن الصيام هو امتناع عن العادات السيئة والضعف والكسل، بقدر ما هو امتناع عن الطعام والشراب، وأن جهاد الأعداء يبدأ بجهاد النفس.

الدكتور / أمين رمضان

16 رمضان 1447 ه / 6 مارس 2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى