الصراط المستقيم

الإنفاق في رمضان.. عطاء وبركة

كتب / الدكتور أمين رمضان

تطل علينا ظلال شهر رمضان المبارك لتغسل أرواحنا بنور الإيمان، وتعيد ضبط بوصلتنا تجاه الحياة والناس. وفي هذا الشهر الكريم، يتجلى الإنفاق كأسمى صور العطاء؛ فهو ليس مجرد خروج للمال من الجيب، بل هو في جوهره عبادة تهدف لإصلاح النفس وبناء المجتمع. ولئن كان الإنفاق يشمل الوقت والجهد، إلا أن بذل المال يبقى الاختبار الأبرز لصدق المحبة ونقاء السريرة.

المال.. وسيلة لا غاية

في صخب الحياة المادية، قد ينسى الإنسان أن المال وسيلة لإعمار الأرض ونشر الخير، فيتحول في نظره إلى هدف يسعى لاحتكاره بظلم وجشع. هنا يأتي الصيام كمدرسة أخلاقية تذكرنا بأن قيمتنا لا تُقاس بما نملك، بل بما نمنح. لقد وضع الإسلام قاعدة ذهبية تضمن توازن المجتمع وتمنع تكدس الثروات في يد فئة قليلة، ليبقى المال نابضاً في عروق المجتمع كله.

يقول الله تعالى في محكم تنزيله:

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [سورة الحشر: 7]

وهذه الفلسفة ليست حرباً على الغنى، بل هي دعوة لضبط إيقاع الحياة على نغمات التكافل والفضيلة، وهو مطلب تشتد الحاجة إليه اليوم في ظل الأزمات العالمية التي أنتجها انفلات المادة من عقال الأخلاق.

تطهير الروح: بذل ما نحب

إن العطاء الصادق لا يكتمل بالتخلص مما فاض عن حاجتنا أو بلي من أشيائنا، بل في تقديم ما تعلقت به نفوسنا. هذا النوع من البذل هو الدواء لداء “الشح” الذي يمرض القلوب. وقد رسم القرآن الكريم معالم هذا الطريق بوضوح:

﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شيء فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: 92]

عندما نتخلى طواعية عما نحب لأجل إسعاد الآخرين، نتحرر من قيود المادة، ونفتح للأرواح آفاقاً من السلام الداخلي والسكينة. وكما قال الشاعر الحكيم أبو الفتح البستي:

أحسنْ إلى النّاسِ تَستَعبِدْ قُلوبَهُمُ … فطالَما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ

التكافل: جسر المودة وأمان المجتمع

الإنفاق في رمضان هو “طوق نجاة” مجتمعي؛ فالمعونة المادية تتحول إلى جسور عاطفية تذيب فوارق الطبقات وتمحو بذور الحسد من صدور المحتاجين. عندما يشعر الفقير أن هناك يداً تمتد إليه بحب، يحل الأمان محل الحقد، والمودة محل الفرقة.

وقد أبدع الأديب مصطفى صادق الرافعي حين وصف رمضان بأنه مدرسة للمواساة، يشعر فيها الغني بآلام الجوع ليذوق مرارة ما يعيشه غيره طوال العام، فتتحرك في قلبه مشاعر الرحمة. ويؤكد هذا المعنى جبران خليل جبران بقوله: “أنت لا تعطي إلا القليل حين تعطي مما تملك، فإذا أعطيت من نفسك فذلك هو العطاء الحق”.

الخلاصة

رمضان هو الفرصة الذهبية لإعادة صياغة ذواتنا؛ فهو يعلمنا أن البركة ليست في الجمع، بل في القسمة، وأن اليد التي تعطي هي اليد التي تحيا بسلام. الإنفاق هو شفاء لأرواحنا من الأنانية، وحصن لمجتمعاتنا من التفكك، فبالبذل يزهر الخير، وبالعطاء يحل السلام.

الدكتور / أمين رمضان

17 رمضان 1447 ه / 7 مارس 2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى