صيام اللسان.. رُوح المجتمع

كتب – الدكتور أمين رمضان
ليس الصيام مجرد انقطاع مؤقت عن الطعام والشراب، بل هو “مدرسة للأخلاق” تهدف إلى إعادة ضبط بوصلة السلوك البشري. إن الصيام الحقيقي هو الذي يضع لجاماً على الجوارح عموماً، وعلى اللسان خاصة، فيمنعه من الانزلاق في منحدرات الغيبة والنميمة والسخرية، تلك الآفات التي لا تأكل الحسنات فحسب، بل تأكل أواصر المحبة وتدمر نسيج العلاقات الاجتماعية.
الكلمة.. بناء أو هدم
الكلمة ليست مجرد هواء يخرج من الفم، بل هي طاقة قوية؛ إما أن تكون بلسماً يشفي القلوب، أو سهماً مسموماً يمزق الإنسان والبيوت والصداقات. لقد وصف الله تعالى أثر الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة في القرآن الكريم بأبلغ تصوير في سورة إبراهيم، قال تعالى:
“أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (26)”. (سورة إبراهيم، الآيات 24-26)
آفات اللسان وتدمير المجتمع
عندما يغتاب الصائم شخصاً أو ينقل وشاية (نميمة) بين الناس، فإنه يهدم الغاية الأسمى من عبادته. فالغيبة والنميمة والسخرية هي “معاول هدم” تنشر الحقد وتزرع الشك بين الناس.
- الغيبة: هي ذكر الآخرين بما يكرهون في غيابهم، وقد صورها القرآن في مشهد يبعث على الرهبة واشمئزاز الناس منها، قال تعالى في سورة الحجرات:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ”. (سورة الحجرات، الآية 12)
- السخرية: هي استصغار الآخرين، وهي شرارة العداوة الأولى، وقد نهى الله عنها في نفس السورة:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ”. (سورة الحجرات، الآية 11)
الصيام.. وقفة مع الذات
إن الصائم الحقيقي هو من يدرك أن صيام بطنه لا يكتمل إلا بصيام جوارحه. فإذا كان الطعام حلالاً في أصله وقد امتنعنا عنه تقرباً لله، فكيف نبيح لأنفسنا “الكلمة الخبيثة” التي هي محرمة في كل وقت؟
مع الشعر
لقد أدرك الحكماء والشعراء منذ القدم أن جرح اللسان أعمق من جرح الأبدان، وفي ذلك تقول الحكمة العربية الشهيرة: “جراحات السنان لها التئام.. ولا يلتأم ما جرح اللسان”.
ويؤكد الإمام الشافعي على ضرورة حفظ اللسان في أبيات رائعة يقول فيها:
احـفظ لسانك أيها الإنسانُ … لا يلـدغـنك إنه ثعـبانُ
كم في المقابر من قتيل لسانه … كانت تهاب لقاءه الشجعانُ
في الختام، لنجعل من صيامنا تدريباً يومياً على رقي الكلمة، ولنتذكر أن الكلمة التي تخرج لا تعود، وأن العلاقات الإنسانية أغلى من أن تضيع في لحظة طيش أو سخرية. فليصم لسانك عن القبيح، ولينطق بالجميل، لتكون صائماً حقاً بقلبك قبل قالبك.
الدكتور / أمين رمضان
19 رمضان 1447 ه / 9 مارس 2026 م




