كيف ترسم المعتقدات حدود عقولنا؟

كتب :الدكتور / أمين رمضان
هل تساءلت يوماً لماذا يواجه شخصان نفس الأزمة، فينهار الأول وتجتاحه مشاعر اليأس، بينما يقف الثاني صامداً مستخرجاً من المحنة منحة؟ الإجابة لا تكمن في طبيعة الحدث ذاته، بل في “العدسة” التي يرى كل منهما من خلالها الحدث؛ إنها المعتقدات. فالمعتقدات ليست مجرد أفكار عابرة، بل هي جذور عميقة تتشكل في ذهن الإنسان منذ الطفولة، وتعمل كمرشحات، تحدد أفعالنا، ومشاعرنا، ونظرتنا لأنفسنا وللآخرين، ولها أكبر الأثر في حياتنا وتوجيه سلوكياتنا إما سلباً أو إيجاباً.
يمكن تقسيم المعتقدات من خلال المفاهيم النفسية التالية:
أولاً: المعتقدات المعيقة (السلبية):
هي المعتقدات التي تحد من إدراكنا للعالم وتعيق الفرد عن التقدم والتغيير، وتقوم بتغيير الحقائق وتشويهها لتتناسب مع نظرة الشخص السلبية، وتتسم بالآتي:
- انعدام المنطق: وهي أفكار خاطئة ومبنية على توقعات، وتعميمات، ومبالغات خاطئة لا تتفق مع الواقع.
- إعاقة الأهداف: تعيق هذه المعتقدات الفرد عن تحقيق أهدافه وتطلعاته، وتُصاحبها غالباً مشاعر سلبية وسلوكيات غير سوية تزيد من شعوره بالإحباط والفشل.
- تأصيل الشعور بالعجز: تنشأ هذه المعتقدات الراسخة عادة في الطفولة (مثل: “أنا فاشل” أو “أنا غير كفء”)، وتعمل كعدسة مشوهة تفعّل ردود فعل انفعالية غير متكيفة مع الواقع.
ثانياً: المعتقدات الممكنة (المعينة):
هي الفرضيات والأفكار الإيجابية التي تعين الفرد وتساعده على إحداث التغيير الإيجابي وبلوغ أهدافه. وتتسم بالآتي:
- الواقعية والمنطق: تُعرف بـ “المعتقدات العقلانية”، وهي أفكار منطقية تتميز بأن مضمونها “نسبي” يتسم بالمرونة وليس حتمياً أو مطلقاً.
- دعم الإنجاز: تساعد هذه المعتقدات الشخص في تحقيق أهدافه، وتُصاحبها مشاعر وسلوكيات إيجابية وسوية تمكّنه من المضي قدماً في حياته.
- التكيف الإيجابي: تُمثل هذه المعتقدات أفكاراً بديلة وأكثر توازناً تحرر الإنسان من القيود. فعلى سبيل المثال، بدلاً من المعتقد المعيق “أنا فاشل”، يتم تبني المعتقد الممكن والأكثر تكيفاً: “أنا أرتكب أخطاء أحياناً، لكني أتعلم منها”.
بين عقلية الجمود وعقلية النمو
تنقسم المعتقدات التي تحكم حياتنا إلى أنماط مختلفة، لعل أبرزها ما قدمته الباحثة “كارول دويك” في نظريتها حول “عقلية النمو” و”عقلية الجمود”. فأصحاب عقلية الجمود يعتقدون أن قدراتهم ثابتة لا تتغير، وأن الفشل هو نهاية المطاف، مما يجعلهم يستسلمون سريعاً أمام التحديات. وعلى النقيض، يمتلك أصحاب عقلية النمو إيماناً راسخاً بأن القدرات يمكن تطويرها بالجهد والمثابرة، فيرون في التحديات فرصة للتعلم، وفي الفشل محطة لاكتساب خبرات جديدة، مما يرفع من فاعليتهم الذاتية ويحسن مستقبلهم.
الخارطة ليست الحقيقة
في علم البرمجة اللغوية العصبية، هناك فرضية ذهبية تقول إن “الخارطة ليست هي الحقيقة”. فالإنسان يستقبل ملايين المعلومات عبر حواسه، لكنه يخضعها لعملية انتقاء من خلال مرشحاته الخاصة، والتي من أهمها “المعتقدات”. هذه المعتقدات تقوم بعمليات “تعميم، وحذف، وتشويه” للواقع لتجعله متلائماً مع ما نؤمن به مسبقاً. فإذا كان لديك معتقد سلبي بأن “الجميع مخادعون”، فإن عقلك سيحذف أي مواقف تدل على أمانة الناس، ويعمم أي موقف سلبي بسيط ليثبت صحة معتقدك، وبذلك تصبح خارطتك الذهنية مشوهة ولا تمثل العالم الحقيقي.
تذكر دائماً مبدأ عمل المعتقدات
عندما يتبنى الإنسان معتقد معين، فإنه لا يجلس خامل في عقله، بل يعمل دائما في لا وعيه كمرشح للمعلومات التي يستقبلها الإنسان، فإن كانت موافقة للمعتقد سمح لها بالدخول، وإن كانت مخالفة للمعتقد لا يسمح لها بالدخول، ويتم ذلك بطريقة لا واعية، لذلك يجب على الإنسان دائماً أن يفعل وعيه ليحدد بطريقة واعية ما يسمح له بدخول عقله أو لا يسمح، أيضاً يحاكم المعتقد السلبي بوعي ويوحه له بعض الأسئلة السقراطية التي تهز بنيانه حتى يسقط (المقال لا يسمح بالاستفاضة فيها).
عزيزي القارئ، عندما تعرف أن تغيير المعتقد السالب يتم باستقبال معلومات تخالف المعتقد، ولن يتم ذلك إلا بوعي. مثال: لو تعرفت على إنسان جديد، وواعدته على لقاء، ولم يأت، في البداية سيكون الأمر عادي، فإذا تكرر تأخره عن الموعد في أكثر الأحيان، ستقول عنه أنه “لا يحترم مواعيده”، جميل لو حدث تغيير عند هذا الصديق بدأ يحترم مواعيده، في البداية سيرفض عقلك تغيير معتقدك المستقر عنه “لا يحترم مواعيده”، وربما يفسر ذلك بأن يقول لك عقلك: “أهي مرة”، فإن تكرر احترام صديقك للموعد، سيهتز المعتقد الموجود، حتى يستبدل بمعتقد إيجابي جديد عنه بأنه الآن “يحترم مواعيده”.
قوة الإيمان والأمان النفسي
على الجانب المشرق والمقوي للمعتقدات، يبرز الإيمان الديني كأحد أقوى مصادر الطمأنينة والأمن النفسي للإنسان. فالإيمان بالقضاء والقدر، واليقين بأن رزق الإنسان وأجله بيد الله، يحرر القلب من القلق، والخوف من المستقبل، والهلع من تقلبات الحياة. المعتقد الديني الراسخ يمنح الإنسان السكينة والرضا، ويشرح الصدر، ويحمي الفرد من الهشاشة النفسية بوضعه للأحداث في إطار أوسع من مجرد المادة.
معتقدات الجموع تصنع التاريخ
لا يتوقف تأثير المعتقدات على الأفراد فحسب، بل يمتد ليصنع مصائر الشعوب والأمم. وفي هذا الصدد، يؤكد عالم نفس الجماهير “غوستاف لوبون” أن المعتقدات (سواء كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية) هي الفاعل الأصيل في التاريخ. فعندما يتحول الرأي إلى معتقد راسخ في نفوس الجموع، فإنه يصبح قوة سحرية قاهرة لا تقهرها البراهين العقلية أو المنطق الجاف. فالمعتقدات هي التي تقيم الحضارات، وهي التي تهدمها، لأنها تعتمد على الجانب العاطفي واللاشعوري المتأصل في النفس البشرية، والذي يغلب المنطق العقلي في معظم الأحيان.
كيف نتحرر ونعيد البرمجة؟
عبر استخدام “الأسئلة السقراطية” يمكننا تحدي أفكارنا المطلقة (ما الدليل على صحة هذا المعتقد؟)، ومن خلال أسلوب “التأطير وإعادة التأطير”، يمكننا وضع الأحداث السلبية في سياق إيجابي جديد يمنحها معنى مختلفاً، ليتحرر الإنسان من مشاعر الإحباط أو الفشل التي قد تنتابه.
وقال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِی ٱبۡتِغَاۤءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ یَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا یَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِیمًا حَكِیمًا﴾ [النساء ١٠٤]
الآية تنقل المؤمنين من منطقة الألم إلى الثمرة الربانية التي تنتظرهم، ولا تنتظر القوم الآخرين، وهذا إعادة تأطير للحدث إلى إطار جديد أو سياق جديد هو الآخرة والجزاء من الله المختلف للفريقين. لاشك أن هذه الآية تبث العزيمة في كل من يجاهد في سبيل الله.
إعادة التأطير النبوي لآلام غزوة أحد
جاء الحديث في سياق غزوة أحد، وتحديداً في الحوار الشهير الذي دار بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبي سفيان بن حرب (قبل إسلامه) في نهاية المعركة، حين كان المشركون يتهيؤون للرحيل عائدين إلى مكة بعد أن حققوا نصراً على المسلمين.
نص الحديث
روى الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه، في قصة غزوة أحد، أن أبا سفيان أشرف على المسلمين ونادى: “أفي القوم محمد؟” (ثلاثاً)، فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: “أفي القوم ابن أبي قحافة (أبو بكر)؟”، ثم قال: “أفي القوم ابن الخطاب؟”.
فقال أبو سفيان: “أما هؤلاء فقد قُتلوا”، فلم يملك عمر نفسه فقال: “كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك”.
فقال أبو سفيان: “اعْلُ هُبَل”، فقال النبي ﷺ: “أجيبوه”، قالوا: “ما نقول؟”، قال: “قولوا: الله أعلى وأجل”. ثم قال أبو سفيان: “لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم”، فقال النبي ﷺ: “أجيبوه”، قالوا: “ما نقول؟”، قال: “قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم”.
فقال أبو سفيان: “يوم بيوم بدر، والحرب سجال..”، فأجابه عمر بن الخطاب قائلاً:
“لا سواء؛ قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار”
تأمل عزيزي القارئ كيف قابل النبي ﷺ وعمر ما قاله أبو سفيان بقول آخر وضع المسلمين في حالة إيجابية، غيرت من الشعور الطبيعي للهزيمة في المعركة، وغرست معتقدات إيجابية بدلاً من المعتقدات السلبية التي كان يمكن أن تتسلل في قلوب المسلمين، بعد ما أصابهم من جراح:
- عندما قال أبو سفيان: “اعْلُ هُبَل” (هبل صنم)، قال لهم النبي ﷺ قولوا: “قولوا: الله أعلى وأجل”
- عندما قال أبو سفيان: “لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم”، قال لهم النبي ﷺ قولوا: “قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم “
- عندما قال أبو سفيان: “يوم بيوم بدر، والحرب سجال..”، كان رد عمر (الذي أقره النبي ﷺ): لا سواء؛ قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار”
رمضان مدرسة لغرس معتقدات إيجابية
يُمثل شهر رمضان رحلة تنتقل بالإنسان من مجرد الامتناع المادي عن المفطرات إلى الارتقاء الروحي والنفسي، ليكون بمثابة مدرسة عملية تعيد تشكيل الخرائط الذهنية وتغرس المعتقدات الممكنة والإيجابية. ففي هذا الشهر، تُعد العبادات القلبية مثل التفكر، والتدبر، والذكر من أبلغ وأقوى الأساليب التي تربط العقل الواعي باللاوعي، مما يهيئ النفس لإعادة برمجة أفكارها والتخلص من المعتقدات السلبية المترسبة. كما أن الإيمان العميق الذي يتجدد في رمضان يمنح الفرد طمأنينة ورضا بقضاء الله وقدره، مما يرسخ لديه الأمان النفسي ويطرد مشاعر القلق والخوف من المستقبل. وعلاوة على ذلك، يُعد رمضان فرصة حقيقية للتغيير، حيث يدرب الصيام الإنسان على تقوية إرادته والتحكم في ذاته، مما ينسف معتقدات العجز والضعف، ويعزز لديه “عقلية النمو” التي تؤمن بأن السلوكيات والقدرات يمكن تحسينها وتطويرها بالمجاهدة والمثابرة، وصولاً إلى تحقيق التوازن النفسي والنجاح المستقبلي.
الخلاصة
المعتقدات هي الدفة التي توجه سفينة حياتنا. فإذا تركناها رهينة لبرمجة الطفولة الخاطئة أو للقيود الغير منطقية، قادتنا إلى شواطئ اليأس والاضطراب. أما إذا امتلكنا الوعي بـ “عقلية النمو” وقمنا بتمحيص أفكارنا وإعادة صياغتها بواقعية ومرونة، فإننا سنصنع لأنفسنا أجنحة تحلق بنا نحو السعادة والتوازن.
الدكتور / أمين رمضان
24 رمضان 1447 ه / 14 مارس 2026 م
