الصراط المستقيم

القيم جوهر البقاء وروح الصيام

كتب:الدكتور أمين رمضان

إن الحديث عن القيم هو حديث عن الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان والمجتمعات، فهي ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي “المسطرة” غير المرئية التي نقيس بها أفعالنا ونحدد من خلالها مسار حياتنا. في عالمنا المتسارع، تبرز القيم كمرساة تحمينا من الضياع، وتجعل للمجتمع هوية ومعنى.

مفهوم القيم وأهميتها

ببساطة، القيم هي مجموعة المبادئ والمعايير التي نؤمن بها، وتمثل الدافع والمحرك الأساسي لسلوكيات الإنسان في سياقات معينة، وتتسم بأنها ذات تأثير قوي، ومن قيم الأفراد تتكون قيم المجتمع.

وكما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في بيته الشهير الذي يلخص أهمية الأخلاق والقيم لبقاء المجتمعات:

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ … فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

أنواع القيم

يمكن تقسيمها إلى عدة أنواع أساسية:

  • قيم شخصية: مثل الصدق، والأمانة، والعزة.
  • قيم اجتماعية: مثل التعاون، والعدل، والتكافل بين الناس.
  • قيم إيمانية: مثل التقوى، والإخلاص، والتوكل على الله.

 

التسلسل الهرمي للقيم الشخصية (سُلَمْ القيم)

تترتب قيمنا داخلنا في تسلسل هرمي تتفاوت فيه درجات الأهمية حسب مكان القيمة على سُلَمْ القيم. ويمكن تقسيم القيم الشخصية إلى:

  • القيم الجوهرية: هي القيم التي تحتل مرتبة عليا على سلم القيم للفرد وتتفوق على غيرها، وتُوجه قراراته الكبرى، مثل “تحمل المسؤولية تجاه العائلة”.
  • القيم غير الجوهرية: هي القيم التي يتنازل عنها الفرد عند تعارضها مع قيمه العليا. فعلى سبيل المثال، قد يعطي شخص ما قيمة لكل من “الاستمتاع وقضاء وقت ممتع” و”كسب العيش”، ولكن في لحظة التعارض، تتغلب القيمة الأعلى (كسب العيش) على القيمة الأدنى (الاستمتاع).

الارتباك والخلط في ترتيب هذا التسلسل الهرمي للقيم قد يتسبب في صراعات داخلية ومشاكل في اتخاذ القرارات، كأن يُقدم الفرد قيمة تناول الحلوى على قيمة الحفاظ على صحته الجسدية.

عادة يعيد الإنسان ترتيب قيمه على سلم القيم خلال حياته، وفقاً لتطور وعيه وتغير معتقداته.

كيف نتعرف على قيمنا؟

يمكن التعرف على القيم الشخصية الجوهرية بصورة عامة بطريقتين:

  • هي الأشياء التي يصرف فيها الشخص معظم وقته وجهدة وماله
  • حين تنتهك يغضب الإنسان غضباً شديداً لانتهاكها

مثال: من يقبل الرشوة تكون عنده قيمة “المال” أعلى من قيمة “الحلال”، أما الشخص الذي عنده قيمة الحلال أعلى فإنه يغضب إذا عرضت عليه الرشوة.

 رمضان.. المختبر العملي لترسيخ القيم

يأتي شهر رمضان المبارك ليتحول من مجرد “مناسبة دينية” إلى “مدرسة تربوية” مكثفة. إنه ليس امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تدريب عملي على غرس أسمى القيم في نفوس الصائمين، ومن أهمها:

1-قيمة التقوى والرقابة الذاتية

الصيام هو العبادة الوحيدة التي لا يعلم حقيقتها إلا الله، وهذا يغرس في الصائم قيمة “الرقابة الذاتية”. الإنسان يصوم وهو قادر على الأكل سراً، لكنه يمتنع حباً وطاعة لله.

الشاهد القرآني: قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (سورة البقرة: الآية 183).

2-قيمة الصبر والتحمل

يعلمنا رمضان كيف نتحكم في رغباتنا ونصبر على التعب من أجل هدف أسمى. هذا الصبر يمتد ليشمل التعامل مع الآخرين وضبط النفس عند الغضب.

الشاهد القرآني: قال تعالى: “إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” (سورة الزُمَرْ: الآية 10).

3-قيمة العطاء والتعاطف

عندما يشعر الصائم بقرصة الجوع، يتذكر أولئك الذين يعيشون هذا الشعور طوال العام، مما يحرك في قلبه قيم الجود والكرم والتكافل الاجتماعي.

الشاهد القرآني: قال تعالى: “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا” (سورة الإنسان: الآية 8).

يقول الشاعر حافظ إبراهيم مؤكداً أن العلم والمكانة لا قيمة لهما دون تتويجهما بمكارم الأخلاق:

لا تَحسَبَنَّ العِلمَ يَنفَعُ وَحدَهُ … ما لَم يُتَوَّج رَبُّهُ بِخَلاقِ

الخاتمة:

إن القيم هي الروح التي تحرك الإنسان، ورمضان هو الفرصة السنوية لنفخ هذه الروح من جديد في تعاملاتنا اليومية. فإذا خرج الصائم من شهره وقد أصبح أكثر صبراً، وأصدق قولاً، وأشد تعاطفاً مع غيره، فقد حقق الغاية الكبرى من الصيام، بناء الإنسان قبل أي شيء آخر، ليكون المجتمع إنساني الأخلاق.

الدكتور / أمين رمضان

25 رمضان 1447 هـ / 15 مارس 2026 م

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى