فاتح أفريقيا الجديد (8) السميط زرع بصمت ولكنه أزعج الأخرين

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
تُروى عن الدكتور عبد الرحمن السميط قصة تعبّر كثيرًا عن فهمه المبكر لما كان يجري في إفريقيا. في إحدى القرى البعيدة، كان يقف إلى جانب فريقٍ من المتطوعين بعد أن انتهوا من حفر بئر ماء. تجمع أهل القرية حول البئر، ليس فقط لأن الماء وصل أخيرًا، بل لأنهم كانوا يعرفون أن وصول الماء يعني شيئًا أكبر: شيئا يعيد الحياة مرة أخري لجعلها أكثر كرامة. بعد أيام قليلة، جاء إلى القرية وفد من جهةٍ أخرى تقدّم مساعدات غذائية وطبية، ثم سألوا الناس سؤالًا بسيطًا ظاهريًا، لكنه عميق الدلالة: من الذي أنقذكم؟
ساحة صراع هادئة
حينها أدرك السميط بوضوح أن ما يجري هناك ليس مجرد عمل إنساني عابر. كان هناك سباق خفيّ، معركة لا تُطلق فيها الرصاصات، لكنها تُخاض بالأفكار، وبالمساعدات، وبالنفوذ الناعم الذي يتسلل إلى حياة الناس ببطء. تلك اللحظة كانت كافية ليعرف أن إفريقيا ليست أرضًا خالية تنتظر من “يدعوها”، بل ساحة صراع طويل، تُبنى فيه الولاءات كما تُبنى المدارس، وتُصاغ فيه القناعات كما تُحفر الآبار.
من يظن أن إفريقيا كانت فراغًا ينتظر من يملأه، لم يفهم شيئًا عمّا كان يحدث هناك. إفريقيا لم تكن فراغًا، بل كانت ساحة صراع هادئة. صراع لا يُسمع فيه صوت المدافع، لكن تُسمع فيه همسات الأفكار، وتُزرع فيه التبعية خطوة بعد خطوة.
حين دخل عبد الرحمن السميط هذا المشهد، لم يدخل بعين السائح، ولا بعين المتحمس الساذج. كان يدرك منذ البداية أنه ليس وحده في الميدان. كان يعرف أن كل بئر يُحفر، وكل مدرسة تُبنى، وكل طفل يتعلم القراءة، ليس مجرد عمل خيري بسيط، بل خطوة في معركة أوسع بكثير من ظاهرها.
كان هناك من سبقه إلى القارة، ومن خطّط طويلًا، ومن استثمر في الفقر أكثر مما استثمر في الإنسان. مشروع كامل يتشكل بهدوء: تعليم، صحة، غذاء، ثم في النهاية يأتي السؤال الذكي: من الذي أنقذك؟
هنا يظهر خطورة الغياب
حين تترك إنسانًا يتألم، ثم يأتي غيرك ليخفف ألمه، لا تملك أن تلومه إن تبعه. الجوع لا يناقش الفلسفات، والمرض لا ينتظر الجدل العقائدي. الإنسان في لحظة ضعفه يبحث عمّن يمد له يدًا أولًا، ثم يسأل الأسئلة بعد ذلك.
عبد الرحمن السميط فهم هذه الحقيقة بوضوح. لكنه لم يدخل هذا الصراع بخطاب عدائي، ولم يختَر طريق الصدام. لم يهاجم أحدًا، ولم يُشهّر بغيره، ولم يرفع صوته بالشعارات. فعل شيئًا أكثر خطورة بالنسبة لخصومه: قدّم بديلًا أنظف، وأصدق.
كان يعرف أن المنافسة الحقيقية ليست على العقيدة بقدر ما هي على احترام الإنسان. من يحترم الإنسان أكثر، ويصون كرامته أكثر، ويقف معه في ضعفه دون شروط، هو الذي يكسب ثقته في النهاية.
في عالم الإغاثة، ليست كل الأيادي بريئة، وليست كل الابتسامات بلا ثمن. بعض المساعدات تُقدَّم وفي داخلها شرط غير معلن. بعض الأيادي تمنح الطعام لكنها تطلب الروح. وبعض الابتسامات تخفي وراءها سؤالًا مؤجلًا: ماذا ستعطينا مقابل ما أخذت؟
عبد الرحمن السميط رفض هذا المنطق من الأساس. لم يشترِ إيمان أحد، ولم يربط المساعدة بشرط، ولم يساوم على كرامة الإنسان مقابل قناعة دينية. كان يترك الناس أحرارًا، يختارون بأنفسهم. كان يؤمن أن الحرية، حين تُمنح بصدق، تقود الإنسان غالبًا إلى الحقيقة دون ضغط أو إكراه.
هذا بالضبط ما أزعج الكثيرين
لأن النموذج الصادق يفضح النماذج الأخرى دون أن يهاجمها فوجوده وحده كان كافيًا ليكشف الفرق بين من يخدم الإنسان لأنه إنسان، ومن يخدمه لأنه وسيلة.
إفريقيا لم تكن بريئة من الصراعات، لكن السميط حاول أن يبقى بريئًا في قلب هذا الصراع. دخل الميدان بلا كراهية، وبلا خوف، وبلا مساومة على كرامة البشر. لم يسمح للمعركة أن تُفسد قلبه، ولم يسمح للخصومة أن تُغيّر طريقته في العمل.
وهنا تظهر شجاعته الحقيقية. ليست في أنه تحدّى مشاريع ضخمة، ولا في أنه واجه منافسين كُثر، بل في أنه رفض أن يتحول إلى نسخة منهم. بقي وفيًّا للفكرة التي بدأ بها: أن الإنسان أولًا.
ربما لهذا نجح. لأن من يدخل المعركة بقلب نظيف قد يتعب أكثر، وقد يتقدم ببطء، لكنه يترك أثرًا أبقى.
فالأثر البعيد… يتشكل دائمًا بصمت
الأثر الحقيقي لا يُقاس بالعناوين الكبيرة، ولا بالاحتفاء السريع، ولا بالتصفيق الذي يملأ القاعات. معظم التغيير الحقيقي يحدث بعيدًا عن الكاميرات، أو في حياة شخص واحد، في قرية بعيدة، أو في طفل تعلّم القراءة لأول مرة.
فكم من مدرسة بُنيت، وكم من بئر أُخرج منها الماء، وكم من إنسان استعاد شعوره بالكرامة، لن نعرف أبدًا إلى أين سيصل أثره إلا بعد سنوات؟
عبد الرحمن السميط لم يكن يبحث عن النتيجة السريعة، بل عن الخير الذي يستمر بعده. كان يعرف أن الزرع الحقيقي قد لا يثمر في حياة صاحبه، لكنه يثمر بالتأكيد في حياة من يأتي بعده.
ولهذا قال في أحد لقاءاته عبارة تختصر فلسفته كلها:
“لا قيمة لحياتي إذا لم أساهم في تغيير الظروف الصعبة أو الواقع المر الذي يعيشه الآخرون. لذلك قررت أن يكون كل يوم من حياتي مخصصًا لخدمة الناس ومساعدتهم على تغيير واقعهم نحو الأفضل.”
ربما لهذا بقي اسم عبد الرحمن السميط حيًا حتى بعد رحيله. لأنه لم يترك خلفه مجرد مشاريع، بل ترك فكرة. فكرة أن الإنسان يمكنه أن يختار طريقًا مختلفًا، طريقًا لا يقوم على الضجيج، بل على العمل الصادق.
القوة الحقيقية ليست في أن ترى نتائج ما صنعت، بل في أن تتأكد أن ما زرعته سيواصل النمو بعدك وهذا ما فعله السميط تمامًا. زرع بصمت، ثم ترك العالم يكتب بقية القصة.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








