أراء وقراءات

حين تتحول الأخبار إلى “مشهد مستمر”: هل نعيش الحدث أم نُستنزف به؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

لم تعد الأخبار مجرد لحظات عابرة نتابعها ثم نعود إلى حياتنا، بل تحولت إلى مشهد مستمر لا ينتهي، يتدفق على مدار الساعة، ويقتحم وعينا دون استئذان.

شاشات مفتوحة، تنبيهات لا تتوقف، بث مباشر لا ينقطع… وكأن العالم يصرّ أن نبقى داخل الحدث، لا خارجه.

لكن السؤال الأهم: هل نتابع ما يحدث… أم نُستنزف به؟

*من نقل الخبر إلى صناعة الحالة

في الماضي، كان الخبر يُقدَّم في توقيت محدد، أما اليوم، فقد أصبح تدفقًا مستمرًا.. البث المتواصل لا يكتفي بنقل الحدث، بل يعيد إنتاجه مرارًا وتكرارًا: نفس اللقطات، نفس العناوين، نفس التحليلات، لكن بتأثير مضاعف.

وهنا يتحول الخبر من “معلومة” إلى “حالة شعورية” يعيشها المتلقي.

*الإدراك تحت الضغط

العقل البشري لم يُصمَّم للتعامل مع هذا الكم من التكرار والسرعة، عندما يتعرض المشاهد لسيل متواصل من الأخبار، يبدأ في فقدان القدرة على التمييز بين: المهم والعادي، التحليل والتهويل، الواقع والانطباع

النتيجة؟ إدراك مشوش… ومشاعر مضطربة.

*التكرار… حين يصبح التأثير أعمق من الحدث

قد لا يكون الحدث في ذاته مستمرًا، لكن التغطية تجعله كذلك.. إعادة بث نفس المشاهد، وتكرار نفس الرسائل، يصنع إحساسًا زائفًا بأن الخطر دائم ومتصاعد.

وهنا، لا نعيش الحدث كما هو، بل كما يُعرض علينا.

*الاستنزاف الصامت

الأخطر ليس فقط القلق اللحظي، بل الاستنزاف التراكمي… متابعة الأخبار لساعات، الانتقال بين المنصات، التفاعل مع كل جديد… كل ذلك يستهلك طاقة نفسية هائلة دون أن نشعر.

حتى نصبح: متابعين أكثر… لكن أكثر إرهاقًا، مطلعين أكثر… لكن أقل اتزانًا.

*هل ننسحب أم نعيد التوازن؟

الحل ليس في تجاهل الواقع، ولا في الانغماس الكامل فيه، بل في إدارة العلاقة مع الخبر… أن نختار متى نتابع، لا أن نُجبر على المتابعة، أن نحدد مصادرنا، لا أن نغرق في كل ما يُنشر، أن نتوقف أحيانًا… لنفهم، لا فقط لنشاهد.

وختاماً .. بين المشاهدة والوعي

في زمن البث المستمر، لم يعد التحدي في الوصول إلى الخبر، بل في الحفاظ على وعينا وسط هذا التدفق.

لسنا مطالبين أن نعيش داخل كل حدث، ولا أن نحمل العالم كله داخل عقولنا.

أحيانًا، أقوى أشكال الوعي… أن تعرف متى تتابع، ومتى تتوقف.

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى