تونسشئون عربية

يوم الاستقلال التونسي …فجر الحرية الذي أشرقت شمسه

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

كل عامٍ، حين يحل العشرون من مارس، تنبعث من شوارع تونس نغمة الحرية الأولى التي ترددت في أرجاء الوطن سنة 1956 إنه اليوم الذي استعاد فيه التونسيون كرامتهم الوطنية وسيادتهم بعد أكثر من سبعين عامًا من الحماية الفرنسية (1881‒1956) يومٌ لا يُقاس بعدد السنوات التي مرّت، بل بعمق العزّة التي زرعها في وجدان الشعب، وجعلت من الاستقلال مرادفًا للحياة ذاتها.

من الحماية إلى التحرر

بدأت الحماية الفرنسية على تونس سنة 1881، بعد توقيع معاهدة باردو التي أرغمت الباي على قبول السيطرة الفرنسية ورغم أن فرنسا لم تغيّر البنية السياسية في ظاهرها، فإن يدها امتدت إلى الاقتصاد والإدارة والتعليم، مما ولّد وعيًا وطنيًا مبكرًا لدى التونسيين بأن بلادهم تستحق أن تُحكم بأيدي أبنائها.

في مطلع القرن العشرين، بدأت الحركة الوطنية تنظُم صفوفها، فظهر الحزب الدستوري ثم الحزب الحر الدستوري الجديد بقيادة الحبيب بورقيبة الذي حمل راية النضال من الداخل ومن المنافي كانت الأربعينيات والخمسينيات مرحلة النضوج الوطني، إذ تزايدت الإضرابات والمظاهرات، واشتدت المقاومة المسلحة، حتى وجدت فرنسا نفسها مضطرة إلى التفاوض مع الحركة الوطنية.

وفي 3 يونيو 1955، اعترفت فرنسا بالاستقلال الداخلي لتونس، لكن زعماء الحركة الوطنية رفضوا أنصاف الحلول، فاستمروا في المطالبة بالسيادة التامة وبعد مفاوضات طويلة قادها الطاهر بن عمار عن الجانب التونسي، وكريتيان بينو ممثلاً عن فرنسا، وُقّعت وثيقة الاستقلال في 20 مارس 1956. اعترفت بموجبها فرنسا رسميًا بسيادة تونس وانتهاء نظام الحماية الذي دام خمسة وسبعين عامًا.

لحظة الحرية وروح الشعب

عندما أعلن الحبيب بورقيبة الاستقلال من على شرفة قصر الحكومة بالقصبة، امتلأت الشوارع بالهتاف والدموع خرجت الأمهات تزغرد، والشيوخ رفعوا رؤوسهم إلى السماء حمدًا لله، والشباب حملوا العلم التونسي الأحمر المتألق بالهلال والنجمة، رمز الكرامة والدين والوطن كان ذلك اليوم عرسًا شعبيًا، حيث امتزجت الحرية بالدموع، والأمل بالفخر، وخرجت تونس الصغيرة بالمساحة، الكبيرة بالإيمان، لتعلن أن الشعوب لا تُقهر إذا قررت أن تعيش بكرامة.

من زمن النضال إلى زمن الاحتفال

اليوم، وبعد مرور ما يقارب سبعة عقود، تظل ذكرى 20 مارس صفحة ناصعة في دفتر التاريخ الوطني تتزيّن المدن بالأعلام، وتُقام العروض العسكرية في شارع الحبيب بورقيبة، وتتعالى الأناشيد الوطنية كـ حماة الحمىفي المدارس والساحات العامة تُقام العروض الثقافية في المسارح والبلديات، وتُخصَّص البرامج التلفزية والإذاعية لاستحضار رموز الاستقلال وتكريم الشهداء والمناضلين.

في البيوت، تُروى للأبناء حكاية وطن تعلم أن الحرية لا تُشترى، وتُشارك العائلات الشباب في زرع شتلات جديدة ترمز لميلاد تونس المتجددة كل عام فالعيد ليس مجرد ذكرى سياسية، بل طقس وجداني يجمع الأجيال على حب واحد، هو حب الوطن.

قيم تونس الخالدة

الاستقلال في تونس لم يكن نهاية الطريق، بل بدايته فقد دشّن مرحلة بناء الدولة الحديثة بقيادة المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة، الذي أعلن الجمهورية في 25 يوليو 1957 وأطلق مسيرة إصلاحات شملت التعليم والصحة وحقوق العمال هذه القيم – الحرية والعدالة والكرامة – صارت الموجه الأخلاقي لوطن لا يكف عن التجدّد.

الكويت، والمغرب، ومصر، وسائر الشعوب العربية المجاورة احتفلت يومها بانتصار تونس كأول بلد مغاربي ينال استقلاله الكامل من فرنسا وكانت الرسالة واضحة: تونس قادرة أن تنهض بذاتها.

جيل يُجدّد الحلم

اليوم، يحمل الشباب التونسيون راية الاستقلال بطريقتهم: في الجامعات، في المؤسسات الناشئة، في ميادين الفن والإبداع، على الشاشات وفي الشوارع إنهم يستلهمون روح الأسلاف، ويُحوّلونها إلى طاقة لإصلاح المجتمع وبناء المستقبل يرفعون العلم ذاته، لكن بأدوات جديدة: العِلْم، والتقنية، والفكر.

خاتمة: إرث متجدد

في العشرين من مارس، لا تحتفل تونس بماضٍ مضى، بل بروحٍ تتجدد مع كل فجرٍ جديد هي روح أمةٍ آمنت أن الحرية عهدٌ يُصان لا ذكرى تُنسى وسيسجّل التاريخ أن تونس، رغم تقلبات الزمن، ظلّت وفيةً لشعبها، تنطق بلسان أبنائها:

نُحبّك يا تونس كما يُحبّ البحر صبرَه، والشمس غروبها، لأنك الحلم الذي لا يغيب

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى