الصراط المستقيم

فرحة العيد: منحة إلهية وتتويج للعبادة

كتب – الدكتور أمين رمضان

جاء الإسلام ديناً متوازناً يلبي نداء الفطرة الإنسانية ويرتقي بها، فلم يصادر المشاعر الطبيعية بل هذبها ووجهها الوجهة الصحيحة. والفَرَح حاجة فطرية ونعمة إلهية، حثنا الشرع الحنيف على استشعارها وإظهارها، جاعلاً إياها عبادة إذا ارتبطت بشكر المنعم وتذكر أفضاله.

الاحتفال بالإنجاز يعزز الهوية

يحتاج الإنسان عموماً بعد كل إنجاز أن يفرح ويحتفل ويسبح بحمد الله الذي أعانه لتحقيق هذا الإنجاز، هذا الاحتفال يعزز من الهوية الناجحة للإنسان، انظروا في عالم المنافسات، تجدوا في نهاية كل منافسة احتفال رائع بالفائز بها، ويبقى هذا الاحتفال محفوراً في لا وعي شخصية البطل، سواء كان فرداً أو فريقاً، لكن يظل الإنجاز فرحة ومكافأة للنفس التي أنجزت.

الإنجاز في حياة المؤمنين، له بعد مختلف تماماً يمتد فيه وعي الإنسان في عالم الوجود الرباني، زماناً ومكاناً وعنواناً وبعداً ودافعاً.

حثنا الشرع على أن نفرح بفضل الله علينا

يحثنا الإسلام على الفرح لأنه يعبر عن الرضى والسكينة واليقين بفضل الله، فالفرح الحقيقي هو الفرح بفضل الله ورحمته المتمثلين في الهدى والإيمان. الإسلام لا يحقر أعراض الحياة الدنيا ليزهد الناس فيها، بل يزنها بوزنها الصحيح ليستمتع بها الناس وهم أحرار الإرادة.

وقد أمرنا الله تعالى صراحة بأن نفرح بنعمة هذا الدين وما يحمله من شفاء ورحمة، وذلك في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾ سورة يونس: الآيتان 57-58.

العيد فرحة

تتجلى أسمى صور الفرح المشروعة في احتفال المسلمين بعيد الفطر المبارك، فهو يأتي تتويجاً للتوفيق في صيام شهر رمضان. إن العيد فرحة بالانتصار على النفس، والقدرة على قيادتها، وفرحة بالهداية والتوفيق للطاعة، وقد شرع الله التكبير في ختام شهر الصيام تعبيراً عن هذا الفرح والشكر، مصداقاً لقوله تعالى:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾ سورة البقرة: الآية 185.

فالمسلم يفرح في العيد لأن الله هداه وأعانه على صيام شهر رمضان، وهو عيد للشكر والتكافل، لا عيد للتفلت وتجاوز الحدود.

ضوابط الفرح في المنهج الإسلامي

رغم حث الإسلام على السرور والبهجة، إلا أنه وضع ضوابط تحمي النفس من الطغيان والغرور، ومن أهم هذه الضوابط:

  1. ألا يكون فرح بطر وتكبر: حذرنا الله من الفرح الذي يورث الكبر وينسي المنعم، كما جاء في قصة قارون:

﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)﴾ سورة القصص: الآيتان 76-77.

فهذا الفرح المذموم هو فرح الزهو المنبعث من الاعتزاز بالمال، وفرح البطر الذي ينسي المنعم ونعمته، ويورث التطاول على العباد.

  1. الاعتدال والتوازن: يجب ألا يستخف الفرحُ الإنسانَ فيخرجه عن الاتزان، لقوله تعالى:

﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)﴾ سورة الحديد: الآيتان 22-23.

ما أعظم هذا الميزان الرباني، الذي يهدي المسلم عند المنع، فلا يحزن لأنه لا يعرف الخير وراء ما فاته، ويؤجل الفرح عند العطاء حتى يعرف: كيف سيتصرف فيه؟ فإن صرفه فيما يرضي الله، عندئذ يفرح بتوفيق الله له، فالعطاء فتنة أكبر من المنع.

يوم فتح مكة

يعتبر فتح مكة (المعروف بالفتح الأعظم) محطة فارقة في التاريخ الإسلامي، حيث تم في العام الثامن للهجرة (630 ميلادي)، ففي هذا اليوم تم القضاء على الوثنية في شبه الجزيرة العربية، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وتحول مكة إلى مركز للتوحيد، كما جاء في سورة النصر:

﴿إِذَا جَاۤءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ۝١ وَرَأَیۡتَ ٱلنَّاسَ یَدۡخُلُونَ فِی دِینِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجࣰا ۝٢ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا ۝٣﴾ [النصر ١-٣]

في هذا اليوم العظيم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمد عليه الصلاة والسلام بالتسبيح بحمد الله والاستغفار. ولذلك عدة دلالات وملابسات نفسية وتربوية عميقة، تتلخص فيما يلي:

أولاً: إرجاع الفضل لله وحده والتجرد من حظ النفس: إن النصر والفتح هما من أمر الله، يجيء بهما في الوقت الذي يقدره وللغاية التي يرسمها. وليس للنبي ولا لأصحابه في هذا النصر يد، وليس لذواتهم منه نصيب، لذا كان التسبيح والحمد شكراً لله على هذه المنة العظيمة، وعلى رحمته للبشرية بنصره لدينه ودخول الناس فيه أفواجاً بعد الضلال.

ثانياً: الاستغفار كعلاج لملابسات نفسية دقيقة: وقد شمل الأمر بالاستغفار في لحظة الانتصار حكماً ولطائف عديدة منها:

  • الوقاية من الزهو والغرور: فالاستغفار يطهر القلب من الكبر وسكرة النصر وفرحة الظفر التي قد تتسلل للنفوس بعد طول الكفاح.
  • تدارك ما وقع في أوقات الشدة: الاستغفار مما قد يكون ساور القلب وتدسس إليه من ضيق بالشدة، أو استبطاء لوعد الله بالنصر، أو زلزلة أثناء فترة الكفاح الطويل والكرب العظيم.
  • الاعتراف بالتقصير في الشكر: فمهما بلغ جهد الإنسان فهو ضعيف ومحدود أمام آلاء الله الدائمة ونعمه التي لا تحصى، ومن هنا لزم الاستغفار من هذا التقصير والعجز.

ثالثاً: تحقيق الأدب النبوي العالي: إن التجرد في لحظة النصر من حظ النفس وذكر الله وحده هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائماً، للتحرر من قيود الذات والشهوات. ولقد كان هذا هو أدب محمد -صلى الله عليه وسلم- في موقف النصر والفتح؛ إذ دخل مكة منحنياً لله شاكراً على ظهر دابته، ناسياً فرحة النصر في انحناءة الشكر، وجعل يكثر من التسبيح والحمد والاستغفار كما لقنه ربه.

الخلاصة:

العيد فرحة بتوفيق الله للمسلم في رمضان، فرحة بالانتصار على النفس وبالهداية (على ما هداكم) تستحق التسبيح والشكر لله والاستغفار، فهو عيد الشكر والتكافل، لا عيد الانفلات في شهوات الحياة، وضياع التوازن بين الروح والجسد الذي تدربنا عليه في رمضان. فرحة بالثمرة الكبرى من الصيام، وهي التقوى، لمن فاز بها، فرحة بقوة الإرادة التي اكتشفها الصائمون، لتعيد لنا الثقة في أنفسنا. فرحة بامتلاك عجلة قيادة حياتنا من جديد، لنغير واقعنا إلى الأفضل بإذن الله.

الدكتور / أمين رمضان

1 شوال 1447 هـ / 20 مارس 2026 م

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى