الاسرة والطفل

في محراب أمي … حين تتوقف الكلمات

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في الحادي والعشرين من مارس، لا نحتفل بمجرد يوم عابر في التقويم، بل نحتفل بالمعجزة التي جعلت من “المرأة” وطناً، ومن “حضنها” ملاذاً.

عيد الأم هو التوقيت الذي نتوقف فيه عن الركض في زحام الحياة، لننحني إجلالاً أمام الكائن الذي علّمنا كيف ننطق أول حرف، وكيف نخطو أول خطوة، وكيف نصمد أمام أول صدمة.

هناك مناسبات نكتب فيها لأن الكتابة واجب، ومناسبات نكتب فيها لأن العادة جرت بذلك.

لكن حين يأتي (عيد الأم) … تتغير القاعدة كلها.

فلا الكلمات تكفي، ولا البلاغة تنقذنا من الشعور بالعجز.

كيف يمكن أن تُكتب مقالة عن امرأة كانت هي الحبر قبل أن نتعلم الكتابة؟

وكانت هي المعنى قبل أن نحفظ الحروف أو نفهم الكلمات؟

الأم هي الحياة

الأم ليست مجرد شخص في حياتنا الأم هي الحياة حين تبدأ

والأمان حين ترتبك الخطوات والصوت الذي يسبق كل الأصوات حين ينادي القلب، حتى لو بصوت مكتوم.

كل إنسان فينا يحمل قصة مع أمه، قصة لا تشبه غيرها، لكنها تتشابه في شيء واحد: أن الأم دائمًا كانت هناك قبل الفرح وبعده، قبل السقوط وبعده، وقبل أن نعرف الطريق وبعد أن وصلنا لنهايته.  

أتذكر أمي، لا كصورة في بيت قديم، بل كدفء يسكن الذاكرة.

كانت تقول أشياء بسيطة، لكنها كانت تبني بها عالمًا كاملًا من الطمأنينة.

كانت تؤمن بنا أكثر مما نؤمن نحن بأنفسنا.

ترانا كبارًا قبل أن نكبر، وترى في أحلامنا مستقبلًا يستحق أن نُدافَع عنه.

الأم لا تعيش لنفسها، بل تؤجل رغباتها الصغيرة، وتؤخر تعبها، وتخفي قلقها حتى تظل وجوه أبنائها مطمئنة.

هي الإنسان الوحيد الذي يعطيك قلبه كله دون أن يطلب إيصالًا يثبت ذلك.

عجيب أمر الأم أنها قد تنسى أشياء كثيرة في حياتها، لكنها لا تنسى أبدًا أن تدعو لك.

في صلواتها، وفي لحظات تعبها، وفي تلك الأدعية الصامتة التي تخرج من قلبها قبل شفتيها.

ولعل أجمل ما في الأم أنها لا تنتظر مقابلًا.

لا تطلب احتفالًا كبيرًا، ولا كلمات رنانة، هي فقط تريد أن ترى أبناءها بخير

وكأن سلامتهم هي الجائزة التي كانت تنتظرها طوال العمر.

في عيد الأم نكتب ونقول وننشر الكلمات، لكن الحقيقة أن الأم أكبر من كل المناسبات.

فهي ليست يومًا في التقويم، بل زمن كامل في القلب.

الأم هي الدعاء الذي لا ينقطع، والباب الذي يبقى مفتوحًا مهما تأخرنا، والحضن الذي لا يسأل لماذا عدت… بل يقول فقط: أرجع إلى دفئ حضني كي تستريح.

لهذا، إن سألتني ماذا أكتب لأمي اليوم، سأقول ببساطة:

يا أمي لو كان للوفاء وزن، لما حملت الأرض ما في قلبي لك.

ولو كان للجميل نهاية، لما انتهى جميلك معي.

شجن في حق أمي

كم هو مؤلم أن ندرك قيمة “يد الأم” وهي تمسح على جبيننا إلا حين نكبر وتلفحنا برودة الأيام.                                                                                             

وكم هو شجي ذلك الشعور حين نكتشف أن “دعوة الأم” كانت هي الحارس الشخصي الذي يحمينا من حوادث الطرق وعثرات القدر.

“يا أمي.. كلما ضاقت بي الأرض، تذكرتُ سجادة صلاتك، فأدركتُ أن لي في السماء باباً لا يُغلق، وفي الأرض قلباً لا يملّ من الدعاء لي”

رسالة إلى كل من له أم

في عيد الأم، لا تكتفِ بهدية مادية، بل أهديها “وقتاً”، أهديها “نظرة حب”، وقبلة على يدها التي تجعدت من أجل أن تستقيم قامتك.

الأم لا تريد منا قصوراً، بل تريد أن تشعر أنها لا تزال “الملكة” المتوجة في قلوبنا، حتى لو أصبحنا رجالاً يشار إلينا بالبنان.

كل سنة وكل أم بخير، كل سنة وكل أم رحلت عن دنيانا وهي تترك خلفها رجالاً يدعون لها بالرحمة.

اللهم احفظ لنا أمهاتنا، واجعلنا دائماً “قرة عين” لهن، ولا تحرمنا من بركة دعواتهن التي تفتح لنا الأبواب المغلقة.

وكل عيد وأنتِ المعنى الأجمل في حياتي، وكل عيد وقلبك البيت الأول الذي لا نكبر عليه أبدًا.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى