بين إعلان الهدنة وصوت القصف: أين تقف الحقيقة؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
لم يعد التناقض في زمن الحروب استثناءً.. بل أصبح هو القاعدة، فبينما تُعلن الهدنm في البيانات الرسمية، تتحدث الوقائع على الأرض بلغة مختلفة تمامًا: ضربات متبادلة، واتساع في نطاق الاشتباك، وامتداد جغرافي لا يعكس أي “تهدئة” حقيقية.
هنا، لا يصبح السؤال: هل هناك هدنة؟
بل: هل ما يُعلن يعكس ما يحدث فعلًا؟
*الهدنة كأداة… لا كحالة سلام
في السياقات التقليدية، تعني الهدنة توقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، لكن في الحروب المعاصرة، أصبحت الهدنة أداة سياسية وإعلامية بقدر ما هي ميدانية.
قد تُعلن لعدة أسباب: تخفيف الضغط الدولي، إعادة ترتيب الصفوف عسكريًا، أو إدارة صورة الأطراف أمام الرأي العام.. وبالتالي، فإن استمرار الضربات لا يُفهم دائمًا كـ “خرق مفاجئ”، بل أحيانًا كجزء من استراتيجية أوسع تُدار بالتوازي مع الخطاب السياسي.
*اتساع رقعة الصراع… وتفكك المفهوم التقليدي للحرب
ما نشهده اليوم لا يقتصر على جبهة واحدة، بل يتجاوز الحدود ليشمل أكثر من ساحة في وقت متزامن، هذا الامتداد يخلق حالة من: تداخل الجبهات، تعدد الفاعلين، واختلاط الرسائل العسكرية بالإشارات السياسية.. فتصبح “الهدنة” في موقع ما، لا تعني بالضرورة هدوءًا في مواقع أخرى.
*الإعلام بين نقل الواقع وصناعته
التغطية الإعلامية في هذه اللحظات لا تكتفي بنقل الحدث، بل تساهم في تشكيل فهمه… فعندما تُبث أخبار عن هدنة، بالتزامن مع صور للقصف، يتشكل لدى الجمهور إحساس عميق بالتناقض، فقدان اليقين، وربما التشكيك في مصداقية كل ما يُعرض.
لكن الحقيقة أن الإعلام نفسه يعمل داخل ضغوط السرعة، وتعدد المصادر، وصراع الروايات، مما يجعل الصورة النهائية مجتزأة بطبيعتها.
*الوعي في زمن التناقض
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في التصعيد، بل في الطريقة التي نتلقى بها هذا التصعيد… في ظل مشهد متغير وسريع قد نندفع وراء أول تفسير، أو نُسلم بأبسط رواية، بحثًا عن شعور مؤقت بالوضوح
لكن الوعي هنا يتطلب قبول التعقيد، وفهم أن الحقيقة قد تكون متعددة الأبعاد، وأن ما نراه هو “جزء” لا “كل”
*وختاما..
بين إعلان الهدنة وصوت القصف، لا تختفي الحقيقة… لكنها تُعاد صياغتها باستمرار.*
وما يحدث اليوم لا يعكس فقط صراعًا على الأرض، بل صراعًا على المعنى، وعلى إدراكنا لما يجري.
لذلك، فإن التحدي لم يعد في معرفة الأخبار، بل في قراءة ما وراءها.




