دو فيلبان يفضح “البربرية الأوروبية”: الاستعمار حوّل الشعوب إلى أشياء والأراضي إلى غنائم
كتب – محمد السيد راشد
في قراءة نقدية حادة للتاريخ الاستعماري، فجّر رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، دومينيك دو فيلبان، جملة من التصريحات النارية التي أعادت تساؤلات الجدوى حول “الرسالة الحضارية” المزعومة لأوروبا. ووصف دو فيلبان الممارسات الأوروبية في القرن العشرين بأنها “بربرية” حقيقية، مؤكداً أن القارة التي صدّرت نفسها كمهد للعقل والحقوق، سقطت في فخ تدمير نفسها وقيمها أثناء محاولتها السيطرة على العالم.
عندما تتحول أوروبا إلى بربرية
رفض دومينيك دو فيلبان، في لقاء تلفزيوني حديث، الصورة النمطية التي تروج للقارة العجوز كمركز حصري للقيم الإنسانية. واستشهد في حديثه بمقتطفات من كتاب “خطاب في الاستعمار” للكاتب الشهير إيمي سيزار، موضحاً كيف أن الاستعمار لم يكن يوماً مشروعاً تنويرياً، بل كان عملية تجريد واسعة من الإنسانية. وأكد أن أوروبا، في سعيها لاستعمار العالم، انتهت بتدمير الأسس الأخلاقية التي قامت عليها.
تسليع الشعوب ونهب الأراضي.. جوهر السياسة الاستعمارية
أبرز دو فيلبان في حديثه نقاطاً جوهرية تلخص المأساة الاستعمارية، حيث أشار إلى:
-شيئنة الإنسان: تحويل الشعوب والأفراد من كائنات حية ذات ثقافة وتاريخ إلى مجرد “أشياء” وأدوات في يد المستعمر.
-منطق الغنائم: التعامل مع الأراضي المستعمرة ومواردها الطبيعية كـ “غنائم” حرب تُنهب بلا هوادة، بعيداً عن أي شعارات تنموية.
-تناقض القيم: الهجوم على زيف ادعاءات أوروبا بأنها “مهد الحقوق والعقل” في وقت كانت تمارس فيه أبشع أنواع القمع خارج حدودها.
دو فيلبان.. صوت الاستقلالية والدبلوماسية المبدئية
يُعرف دو فيلبان، الذي قاد الحكومة الفرنسية بين عامي (2005-2007)، بمواقفه التاريخية الجريئة، ولعل أبرزها معارضته الشديدة لحرب العراق عام 2003 في الأمم المتحدة. وتأتي تصريحاته الأخيرة لتؤكد اتساق موقفه المناهض للتدخلات الخارجية، حيث لم يتوانَ مؤخراً عن نقد الصمت الأوروبي تجاه الجرائم المرتكبة في النزاعات الدولية المعاصرة، مثل العدوان الإسرائيلي، معتبراً أن غياب الموقف الأخلاقي يضعف مكانة فرنسا وأوروبا دولياً.
رؤية استراتيجية تتجاوز الحسابات الضيقة
يجسد دو فيلبان مدرسة دبلوماسية فريدة تركز على السيادة الوطنية والالتزام رفيع المستوى بمصالح البلاد العليا. ورغم تباين الآراء حول توجهاته، إلا أن المراقبين يجمعون على كونه صوتاً فريداً يمزج بين الخبرة العميقة والقناعة الراسخة بضرورة وجود دور فرنسي مستقل في العالم، يقوم على الحوار والسيادة بدلاً من التبعية أو البربرية المقنّعة.



