البحث العلمى

بين إدعاء “التنوير” و”بربرية” الواقع: تفكيك إرث الاستعمار الأوروبي في ضوء صرخة دو فيلبان

كتب – رئيس التحرير 

لطالما قدمت أوروبا نفسها للعالم كحاملة لمشعل “التنوير” ومنبع “حقوق الإنسان”، إلا أن هذا القناع بدأ يتهاوى أمام قراءات نقدية جريئة لم تعد تكتفي بجلد الذات، بل تسعى لتشريح بنية “الوحشية” التي رافقت التوسع الإمبريالي. تأتي تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، دومينيك دو فيلبان، لتضع القارة العجوز أمام مرآة تاريخية صادمة، واصفة القرن العشرين بأنه قرن “البربرية الأوروبية” بامتياز، حيث تحول فيه الإنسان إلى أداة، والأرض إلى ساحة للنهب المنظم.


دو فيلبان وإيمي سيزار: عندما تتحول الشعوب إلى “أشياء”

في تحليله لآلية الاستعمار، لا يكتفي دو فيلبان بالوصف السياسي، بل يغوص في العمق الأنطولوجي (الوجودي). مستشهداً بـ إيمي سيزار وكتابه المرجعي “خطاب في الاستعمار”، يوضح دو فيلبان أن الخطيئة الكبرى للاستعمار كانت “الشيئنة” (Chosification).

  • تجريد الإنسان من إنسانيته: لم يكن المستعمر يرى في المواطن الإفريقي أو الآسيوي نداً بشرياً، بل “شيئاً” ذا قيمة مادية أو طاقة إنتاجية فقط.

  • تدمير “مهد العقل”: يرى دو فيلبان أن أوروبا حين استعمرت العالم، دمرت نفسها أخلاقياً؛ إذ لا يمكن لأمة أن تدعي “العقلانية” وهي تمارس التنكيل الممنهج بالآخر.

“الاستعمار ليس اتصالاً بين الشعوب، بل هو علاقة هيمنة تحول المستعمر إلى طاغية والمستعمر إلى مجرد ترس في آلة الإنتاج.” – إقتباس مستلهم من فكر سيزار الذي أحياه دو فيلبان.


شهادات تاريخية: وحشية تتجاوز الحدود

لا يقف النقد عند دو فيلبان وحده، بل يتقاطع مع أصوات مفكرين عالميين حللوا هذه “الوحشية” كبنية مؤسسية:

  1. فرانتز فانون: في كتابه “معذبو الأرض”، أكد أن الاستعمار “عنف في حالته النقية”، وأنه لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يسعى لتدمير البنية النفسية للمستعمر.

  2. حنة أرندت: ربطت في تحليلاتها بين الممارسات الاستعمارية في إفريقيا وبين ظهور التوتاليتارية (النازية) في قلب أوروبا، معتبرة أن “البربرية” التي مارستها أوروبا في الخارج ارتدت إلى داخلها في النهاية.

  3. الملك ليوبولد الثاني (نموذج الكونغو): يظل مثال “دولة الكونغو الحرة” الشاهد الأكبر على تحول الأراضي إلى “غنائم”، حيث تسبب الجشع الأوروبي في إبادة الملايين سعياً وراء المطاط والعاج.


الاستعمار الجديد: هل تغيرت الأدوات؟

يشير المحللون إلى أن “البربرية” التي تحدث عنها دو فيلبان لم تختفِ، بل غيرت جلدها. فبدلاً من الجيوش التقليدية، نرى اليوم:

  • التبعية الاقتصادية: تحويل الدول النامية إلى مخازن للمواد الخام وأسواق استهلاكية.

  • الازدواجية الأخلاقية: الصمت الأوروبي تجاه القضايا العادلة (مثل القضية الفلسطينية) الذي انتقده دو فيلبان بوضوح، معتبراً إياه سقوطاً جديداً للقيم التي تدعيها القارة.


خاتمة: البحث عن عدالة تاريخية

إن دعوة دو فيلبان ليست مجرد استرجاع للماضي، بل هي صرخة لإنقاذ ما تبقى من مصداقية للدبلوماسية الأوروبية. إن الاعتراف بأن الاستعمار كان “فعل بربرية” وليس “رسالة حضارية” هو الخطوة الأولى نحو بناء نظام دولي يقوم على الندية لا على منطق “السيادة والتبعية”. يبقى دو فيلبان صوتاً فريداً يحاول تذكير أوروبا بأن عظمتها لا تكمن في نهب “الغنائم”، بل في العودة إلى العقل والحقوق التي داستها سنابك خيول المستعمرين.

زر الذهاب إلى الأعلى