الصراط المستقيم

من يملك مفاتيح مصائر الخلق؟.. فقه الرحمة وخطورة “التأله” على العباد

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي 

لقد علّمنا القرآن أن بين العبد وربه سرّا… لا يُطّلع عليه أحد.

قد يمتلئ بندم صادق في لحظة خفاء، أو توبة لا يعلم بها إلا ربّه،

أو رحمة سبقت الحساب…. ولهذا، فإن الحكم على المصير

ليس علما يُتعلّم، ولا فقها يُتقن، بل باب غيبٍ أُغلِقَ دون البشر.

وإذا نظرنا إلى سيرة أبو حنيفة النعمان عليه رحمة الله ..

وجدنا ما هو أبلغ من الروايات:

فقد عُرف عنه أنه كان له جارٌ  ( إسكافيّ) يشرب الخمر ويؤذيه بصوته،

فلما غاب يوما، بحث عنه، فوجده قد سُجن، فسعى في إخراجه، ولم يتركه لذنبه .. بل ردّه إلى الحياة والرجاء.

هكذا يكون الفقه: لا في إقصاء الناس… بل في فتح أبواب الهداية لهم.

 إن الفرق بين الدين الذي يُبنى به الإنسان، والدين الذي يُهدم به،

هو هذا الفارق الدقيق:

أن تُنكر الذنب… دون أن تُغلق باب الرحمة

وأن تدعو إلى الحق… دون أن تتألّه على الخلق..

 

*تُروى في كتب المواعظ قصةٌ مؤثرة تُنسب إلى أبو حنيفة.. أنه اجتمعت جنازتا رجلٍ مات على شرب الخمر، وامرأةٍ أنهت حياتها بعد وقوعها في معصية،

فسأل بعض الناس: أهما في الجنة أم في النار؟

سؤالٌ يتكرر بصيغٍ مختلفة في كل زمان

سؤالٌ يبدو دينيا في ظاهره، لكنه يخفي نزعة خطيرة:

الرغبة في اقتحام ما لم يُؤذن لنا به….

في تلك الرواية، لم يُسارع الإمام إلى تعداد النصوص، ولم يتصدّر للحكم،

بل ردّ الأمر إلى الله، مستشهدا بآياتٍ تُعلّم الأدب قبل الحكم:

قال سبحانه على لسان إبراهيم عليه السلام:

﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وقال على لسان عيسى عليه السلام:

﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

وقال على لسان نوح عليه السلام:

﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾

كأن الجواب لم يكن حكما… بل تربية على الوقوف عند حدّ مُعيّن..

لكن، من حيث التحقيق العلمي، هذه القصة – على شهرتها -لم يثبت لها إسناد صحيح متصل في كتب الحديث، فهي من الروايات الوعظية التي يُستأنس بها، لا يُحتج بها.

وهنا لا يسقط المعنى… بل يبدأ الامتحان الحقيقي للفهم.

لأن السؤال ليس: هل ثبتت القصة؟

بل: هل المعنى الذي تحمله من صميم الدين أم لا؟

والجواب:

نعم… بل هو من أرقى ما يُربّي عليه الإسلام.

إن أخطر ما يُبتلى به الإنسان، ليس الوقوع في الذنب

بل أن يتصدّر للحكم على مصائر الناس. أن يرى مشهدا عابرا أو كلمة غير مقصودة..  فيبني عليه حُكما أبديّا.

أن يختزل حياة إنسان، في لحظة رآها أو في موقف أساؤوا فيه التقدير

أو في معصيةٍ سمع بأنهم اقترفوها..

كأن بين العبد وربه لا شيء، وكأن القلوب صفحاتٌ مكشوفة،

وكأن الخواتيم تُرى بالعين.

في كل الأحوال: إن صحت هذه الرواية، فهي شاهد على سعة فقهٍ وأدب.

وإن لم تصح، فالمعنى الذي فيها ثابتٌ بنصوص القرآن ومقاصد الدين.

فنحن لا نتمسك بها لإثبات قصة… بل لنستخرج منها مكارم الأخلاق.

لأن الإسلام لم يُربّنا لنكون قضاة على مصائر الناس، بل لنكون عبادا يعرفون حدودهم.

ليس أخطر على القلب من أن يعتاد إصدار الأحكام،

حتى يظنّ أنه يملك مفاتيح السماء. وهناك يبدأ السقوط الحقيقي 

لا حين يُذنب الإنسان، بل حين ينسى أنه مُجرّد عبد من عبيد الله..

 

زر الذهاب إلى الأعلى