البحث العلمى

في ظلال رحلة المعراج الكونية (5) مفهوم الكون الكبير بين الواقعية والتكامل المعرفي

بقلم : د.سعد كامل

 

الواقعية في السنن الإلهية

لم تتناول أدبيات وصف الكون في الفكر البشري عبر التاريخ تفاصيل مكونات الكون وبنيته وتفاصيل العلاقات بين تلك المكونات، بل بدأ البشر في ملاحظة مكونات الكون بشكل متدرج جيلا بعد جيل، حتى مصادر الوحي السماوي خاصة أسفار الكتاب المقدس ومن بعدها آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة لم تتضمن بيانا تفصيليا لوصف الكون، لذلك نجد مفهوم بنية الكون قد تطور شيئا فشيئا مع تطور فهم البشر لمكونات الكون، ويظن كاتب هذه السطور أن ذلك التطور يشير إلى إحدى أهم مقومات السنن الإلهية وهي: الواقعية (أي أن بعض الأشياء في هذا الكون تتم بأيدي الخلق وفق إمكانياتهم وقدراتهم زمنا بعد الآخر).

وتتضح جوانب الواقعية ضمن منتجات الفكر البشري في العديد من المفاهيم التي بدأت في صورة بدائية ثم تطورت مع تقدم أدوات ووسائل التعامل مع طبيعة الأشياء، ومن الأمثلة المشهورة في علم الكيمياء تطور فهم البشر لوحدة بناء المادة (الذرة) التي وُضِعَتْ لها العديد من النظريات بصورة متدرجة بدأت بخليط الماء والتراب والنار والهواء كأساس لتكوين الأشياء في الفكر الإغريقي القديم، ثم جاءت نظرية أن الأشياء تتكون من جسيمات متناهية الصغر تشبه البرتقالة عليها شحنات -منذ حوالي قرنين من الزمان-، وتبع ذلك نظريات أخرى تتناول بناء الذرة، حتى وصلنا إلى النظرية الذرية الحديثة بعد اكتشاف بوهر لمستويات الطاقة للإلكترونات في بداية القرن العشرين… ويرى كاتب هذه السطور أن محاولات البشر لفهم بنية الكون قد مرت بمراحل مشابهة لتدرج فهم بنية الذرة.

مفهوم الكون بين الواقعية والتكامل المعرفي

أن قضية مفهوم الكون تتميز بإضافة بعدا دينيا من الوحي السماوي بالتالي تمتزج بعض أساسيات الفكر البشري من مجالات متعددة بعضها ببعض نحو الوصول إلى المفهوم الأصح للكون، فنجد النظريات المادية في فهم طبيعة حركة الكواكب والنجوم في السماء تمتزج مع وجهات النظر لفهم آيات الوحي السماوي في هذا المضمار، كما تتفاوت تلك النظريات ووجهات النظر هذه في القرب و/أو البعد عن مراد الخالق عز وجل بغية الوصول إلى الفهم الشامل لبنية الكون الذي يتفق مع معطيات العلوم المادية كما يتماشى مع معاني النصوص الدينية.

 هنا يظهر مصطلح الرؤية الشخصية لفهم حقائق بنية الكون، ومع تعدد الرؤى الشخصية لكل من يتقدم بأفكار في هذا المضمار من الذين يبلغون درجة النظر في مجال التعامل مع بنية الكون نجد أنفسنا مضطرون للتمييز بين تلك الرؤى للوصول إلى الرؤية الأقرب لمراد الخالق عز وجل المسطور ضمن الوحي السماوي.

لكن وللأسف الشديد، يمكن القول أن البشر لم يتمكنوا حتى اللحظة من وضع رؤية متكاملة عن بنية الكون نظرا للتباعد الحاصل بين جانبي المعرفة في الوقت الحالي (الجانب الشرعي والجانب المادي)، ولعل التعاون بين الجانبين حاليا يعتبر أكثر إلحاحا من أي وقت مضى بسبب الانفجار المعلوماتي الذي يتطلب وضع ضوابط إيمانية للصياغات العلمية يجعلها تخدم الأهداف الأساسية للعلم بتحقيق وتقوية الإيمان بالخالق العظيم سبحانه وتعالى.

 د. سعد كامل

أستاذ مشارك في الجيولوجيا

الإسكندرية – مصر

saadkma2005@yahoo.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى