أراء وقراءات

حين تتحول منظومة الخبز إلى عبء: قراءة في اختلالات الدعم في مصر

بقلم – عبدالمنعم الجابري

يُعد نظام دعم الخبز في مصر أحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية، حيث يعتمد عليه ملايين المواطنين يوميًا. إلا أن التعديلات التي طرأت على المنظومة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد إلغاء نظام تحرير الدقيق، أدت إلى ظهور اختلالات اقتصادية وتشغيلية أثرت على كفاءة النظام وعلى قدرة المخابز على الاستمرار.

في النظام السابق، شكّل تحرير الدقيق نموذجًا أكثر كفاءة، حيث كانت المخابز تشتري الدقيق وتنتج وفق الطلب، ما أسهم في:

  • الحد من التلاعب
  • تقليل الهدر في المال العام
  • تحسين جودة المنتج عبر المنافسة
  • تحقيق توازن بين العرض والطلب

أما النظام الحالي، فقد أعاد مركزية التحكم، مع فرض قيود صارمة وعقوبات متزايدة.

معادلة اقتصادية غير قابلة للاستمرار

تكشف الأرقام عن فجوة واضحة بين التكلفة والعائد:

  • في 2014: تكلفة الإنتاج نحو 9 قروش، الدولار أقل من 7 جنيه، والسولار أقل من 2 جنيه
  • اليوم: تكلفة الإنتاج نحو 34 قرش فقط، بينما تجاوز الدولار 50 جنيه، والسولار 20 جنيه

في المقابل:

  • تضاعفت الغرامات بشكل كبير
  • تُفرض بناءً على تقديرات لحظية أثناء التشغيل

بل إن المخالفات المتعلقة بنقص الدقيق تُحتسب بقيمة مضاعفة في المرة الأولى، ثم تتزايد بشكل أكبر عند التكرار خلال عام، رغم أن هذا النقص قد ينتج عن عوامل تشغيل طبيعية، وليس بالضرورة نتيجة استيلاء فعلي.

رقابة لا تعكس الواقع الإنتاجي

تعتمد الرقابة الحالية على زيارات قصيرة يتم خلالها وزن عدد محدود من الأرغفة أثناء الإنتاج، رغم أن الإنتاج اليومي قد يصل إلى آلاف الأرغفة.

كما يتم أحيانًا تحرير مخالفات متزامنة لنقص الوزن ونقص الدقيق، رغم أن العلاقة بينهما تستدعي تقييمًا فنيًا أدق.

ولا تأخذ هذه الآلية في الاعتبار طبيعة العملية الإنتاجية، خاصة في:

  • بداية التشغيل
  • نهاية الإنتاج

تحديات تشغيلية متراكمة

تواجه المخابز عددًا من التحديات اليومية، من بينها:

  • فرض معدلات إنتاج (عدد + وزن) يصعب تحقيقها عمليًا
  • استمرار تحرير المخالفات بشكل شبه حتمي مع كل مرور رقابي
  • غياب المرونة في التعامل مع ظروف التشغيل

حتى أصبح شائعًا أن زيارة المفتش تعني تحرير مخالفة، حتى في حالات انتهاء العمل.

خلل في البيانات وآلية “الاستعاضة

تعتمد المنظومة على نظام “الاستعاضة”، حيث يتم صرف دقيق يعادل ما تم إنتاجه وبيعه في اليوم السابق.

لكن التطبيق كشف عن:

  • تآكل أرصدة المخابز
  • فروقات غير مفسرة
  • تحميل المخابز كميات لم تستلمها فعليًا

وفي بعض الحالات، يتم إلزام المخبز بسداد قيمة كميات يُدّعى أنه استولى عليها بقيمة مضاعفة، دون إعادة تمكينه من استخدامها في الإنتاج، ما يؤدي إلى تحميله التكلفة أكثر من مرة، بل وقد يُضطر لدفع قيمتها مرة ثالثة إذا أراد استعادتها للإنتاج.

  مطالب إصلاحية رئيسية

1-   إعادة العمل بنظام تحرير الدقيق

في ضوء التجربة العملية، يبرز كأحد الحلول الأساسية إعادة تفعيل نظام تحرير الدقيق، الذي كان يربط الدعم مباشرة بالرغيف المباع للمواطن، ويحمّل المخبز مسؤولية شراء الدقيق وإدارة الإنتاج.

وقد أظهر هذا النظام قدرة واضحة على الحد من التلاعب، حيث كان تداول الدقيق يتم من خلال معاملات مالية فعلية، بحيث تقابل كل كمية دقيق مدفوعة القيمة انتقالًا حقيقيًا، وليس مجرد تسجيلات أو قيود دفترية.

وعلى النقيض، فإن النظام الحالي القائم على التسجيلات دون حركة مالية مقابلة في كل مرحلة، قد أدى إلى ظهور فروقات وأرصدة غير مفسرة.

كما أن هذا النموذج يتيح:

  • استغلال الطاقات الإنتاجية المعطلة
  • حيث تنهي المخابز عملها خلال 3–4 ساعات فقط
  • مع إمكانية إنتاج خبز حر من خامات منفصلة دون تحميل الدولة أي دعم إضافي

2-   مراجعة القرار رقم 175 لسنة 2024

يُعد القرار رقم 175 لسنة 2024 أحد أبرز مصادر الاختلال في منظومة تشغيل المخابز، لما تضمنه من عقوبات مالية وتشغيلية مغلظة لا تتناسب مع طبيعة العمل الفعلي داخل المخابز، ولا تراعي الظروف التشغيلية المتغيرة.

فقد أقر القرار مجموعة واسعة من المخالفات التي تقابلها تدابير مالية كبيرة، تصل في كثير من الحالات إلى تحصيل مثلي أو أربعة أمثال قيمة الدعم، مع غلق المخبز لفترات قد تمتد لعدة أشهر، بل وقد تصل إلى سحب الحصة نهائيًا.

كما شدد القرار العقوبات في حالة التكرار خلال مدد زمنية طويلة – قد تصل إلى عام كامل – وهو ما لا يتناسب مع طبيعة النشاط، حيث إن العديد من المخالفات قد تقع نتيجة ظروف تشغيل يومية متغيرة، وليس بالضرورة نتيجة تعمد.

فعلى سبيل المثال، يترتب على بعض المخالفات البسيطة أو الشكلية – مثل عدم الإعلان – توقيع غرامات مالية قد تصل إلى 1000 جنيه عند التكرار، رغم أن سعر رغيف الخبز المدعم معلوم للكافة ولا يمثل الإعلان عنه قيمة حقيقية للمواطن.

كما أن بعض المخالفات التي كانت تُعد تنظيمية بسيطة، تم تشديدها بصورة كبيرة، بما حولها إلى أدوات ضغط مالي على المخابز.

ويُلاحظ كذلك أن القرار يمنح محاضر إثبات الحالة قوة إلزامية حتى في حال عدم توقيع صاحب المخبز عليها، وهو ما يثير تساؤلات حول توازن العلاقة بين جهة الرقابة وصاحب النشاط.

إن مجمل هذه الأحكام يخلق بيئة تشغيلية يغلب عليها الطابع العقابي، ويضع المخابز في حالة دائمة من التعرض للمخالفة، حتى في ظل الالتزام.

وعليه، نطالب بـ:

إعادة مراجعة القرار رقم 175 لسنة 2024، بما يضمن تناسب العقوبات مع طبيعة المخالفات، وربطها بثبوت القصد الفعلي، مع وضع نظام تدريجي عادل للعقوبات.

3-   مراجعة معدلات الإنتاج

يُعد من الضروري على وجه السرعة إعادة مراجعة معدلات الإنتاج المفروضة، والتي أصبحت في صورتها الحالية محل تساؤل من الناحية الفنية والتطبيقية.

فقد تم في عام 2019 زيادة عدد الأرغفة المنتجة من الشيكارة بنحو 55 رغيفًا، ليصل إلى نحو (660) رغيفًا في مخابز المجر – الآلي الكامل، و(725) رغيفًا في الماو الطري والماو الملدن، مع تثبيت وزن الرغيف عند 90 جرامًا، رغم الاختلاف الجوهري في طبيعة التشغيل بين هذه الأنماط، وبصفة خاصة بين (المجر – الآلي الكامل) و(الطري والملدن).

ويأتي ذلك رغم أن الجهات المختصة كانت قد أقرت سابقًا – بعد شكاوى متكررة – بصعوبة تحقيق وزن 100 جرام، وتم اعتماد وزن 90 جرامًا بعد سماحية قدرها 10 جرام، وهو ما يُعد إقرارًا عمليًا بحدود القدرة الإنتاجية الواقعية، إلا أن هذه السماحية تم إلغاؤها مع تثبيت الوزن وزيادة العدد، وهو ما يجعل الالتزام بهذه المعدلات أمرًا بالغ الصعوبة في التطبيق العملي، ويضع المخابز في مواجهة مستمرة مع المخالفات نتيجة خلل في تحديد هذه المعدلات دون مراعاة ظروف التشغيل الفعلية.

كما تم لاحقًا تعديل مواصفات الدقيق من استخراج 82% إلى 87%، وهو ما يعني انخفاضًا نسبيًا في جودة الدقيق، وكان من المنطقي أن يقابله تعديل في معدلات الإنتاج أو الأوزان المطلوبة، إلا أن ذلك لم يحدث، مما زاد من الفجوة بين المتطلبات النظرية والواقع العملي.

وتواجه مخابز الآلي الكامل – بصفة خاصة – صعوبات كبيرة عند التطبيق، حيث يتطلب نمط الإنتاج فيها فرد العجين ليأخذ شكلًا واسع القطر، وهو ما يؤدي بطبيعته إلى فقد جزء من وزن الرغيف أثناء الخَبز. وفي المقابل، فإن تقليل قطر الرغيف للحفاظ على الوزن يجعله غير مقبول لدى المواطن، كما يؤثر على جودة الرغيف وسرعة تلفه، خاصة أن هذه الأفران مصممة أساسًا لإنتاج هذا الشكل من الخبز، في حين تنتج مخابز المجر رغيفًا ذا قطر صغير مثل الرغيف الماو. ورغم ذلك تتساوى مع الآلي الكامل في المعدلات والأوزان، رغم اختلاف شكل وطبيعة الرغيفين.

كما يثير توحيد الوزن بين الماو الطري والماو الملدن تساؤلات فنية، إذ إن الملدن هو في الأصل ناتج عن تجفيف الرغيف الطري من جزء من محتواه المائي، وهو ما يفترض أن ينعكس إما على الوزن أو عدد الأرغفة الناتجة من نفس كمية الدقيق، وهو ما لم يتم أخذه في الاعتبار.

إن استمرار العمل بهذه المعدلات، رغم اختلاف الخصائص الفنية لأنماط الإنتاج وتغير جودة المدخلات، يؤدي إلى صعوبات عملية في الالتزام بها، ويجعل التطبيق الدقيق لها أمرًا بالغ التعقيد.

وعليه، نطالب بـ:

تشكيل لجنة فنية مستقلة على وجه السرعة، تضم خبراء تشغيل فعليين، لإعادة تقييم معدلات الإنتاج لكل نوع من المخابز على حدة، ووضع معدلات واقعية قابلة للتطبيق.

4-   وضع تكلفة إنتاج عادلة

تمثل تكلفة الإنتاج الحالية أحد أبرز أوجه الاختلال في المنظومة، حيث لا تعكس التكلفة المعتمدة الارتفاع الكبير في أسعار المدخلات، مثل الوقود والعمالة والتشغيل.

وعلى مدار عدة سنوات، تحمّلت المخابز زيادات متتالية في التكاليف دون تعديلٍ مكافئ في تكلفة الإنتاج المعتمدة، بما يشمل نقل الدقيق، والخميرة، وأجور العمال، والكهرباء، والمياه، والتأمينات، والرسوم الإدارية، وقطع الغيار والصيانة، فضلًا عن المتطلبات المعيشية الأساسية لصاحب المخبز في ظل موجات الغلاء.

ويطرح ذلك تساؤلًا مشروعًا حول كيفية استمرار المخابز في العمل رغم هذه الزيادات المتراكمة، دون وجود آلية واضحة لتغطيتها ضمن منظومة التكلفة المعتمدة.

وفي ظل هذه الفجوة، تجد المخابز نفسها أمام معادلة صعبة:

  • الالتزام الحرفي بالمواصفات مع تحمل خسائر
  • أو محاولة التكيف مع الواقع لتغطية التكلفة

وهو وضع قد يدفع – تحت ضغط التشغيل – إلى ممارسات غير مرغوبة، ليس بدافع تحقيق مكاسب غير مشروعة، وإنما نتيجة غياب التوازن بين التكلفة الفعلية والعائد.

لذلك، يصبح من الضروري:

إعادة احتساب تكلفة إنتاج عادلة للرغيف، مع العودة إلى نظام تحرير الدقيق، بما يضمن استدامة التشغيل دون تحميل المخابز ضغوطًا تؤدي إلى اختلالات غير مقصودة في التطبيق.

ضرورة إصلاح منظومة

إن إصلاح منظومة الخبز لم يعد خيارًا، بل ضرورة لضمان استدامة الدعم وعدالته.

وفي هذا السياق، نأمل أن تحظى هذه التحديات باهتمام القيادة السياسية، وضروة الأستفادة برؤية الخبراء الإقتصاديين، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية المال العام واستمرارية الإنتاج، وضامان وصول الدعم إلى مستحقيه بكفاءة وعدالة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى