فاتح أفريقيا الجديد (13) عندما يتحول الدِّينِ إلى “سٍلْعَة” والإيمان إلى “مُحْتَوى”

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
هل نُقدّم ما نؤمن به… كما هو؟ أم كما نظن أنه يجب أن يُرى؟
بهذا السؤال ختمت مقالتي الأخيرة في هذه السلسلة لكن جاء لي منذ نشرها العديد من الاستفسارات لفهم هذا السؤال وأيضا ما هو الهدف منه فأحببت أن يكون الرد فى مقالة جديدة تقديرا واحترام لمن استفسر وسأل
هنا يبقى السؤال الذي يخصّنا نحن: هل نُقدّم ما نؤمن به… كما هو؟
أم كما نظن أنه يجب أن يُرى؟
لأن الفرق بين الاثنين… هو الفرق بين دعوة تُقال، ودعوة… تُغيّر
الاختبار القاسي: بين صدق الجوهر ولمعان الصورة
في زمنٍ أصبحت فيه الصورة أسرع من الحقيقة، وأقرب إلى الناس من فهم المعنى، يبدو هذا السؤال بسيطًا… لكنه في الحقيقة اختبار قاسٍ.
ليس اختبارًا لما نقوله، بل لما نُخفيه ونحن نقول.
هل نُقدّم ما نؤمن به كما هو؟
أم نعيد تشكيله… ليبدو أجمل، وأسهل، وأكثر قبولًا؟
الفارق بين الاثنين لا يظهر في البداية، بل يظهر لاحقًا… حين تبهت الصورة، ويبقى الجوهر.
هناك من يقدّم فكرته كما هي بصدقها، وبساطتها، وبتعقيدها أحيانًا. لا يُجمّلها، ولا يُخفي ما فيها من صعوبة، ولا يُسرّع نتائجها لتُرضي المتعجلين.
هذا الطريق بطيء، وقد لا يُلفت الانتباه، وقد لا يُكافأ سريعًا ، لكنه حقيقي.
وفي المقابل، هناك من يقدّم الفكرة كما “يجب أن تُرى”، يختصرها، يُلمّعها، يُعيد صياغتها لتناسب الذوق العام، ويُخفي ما قد يزعج الجمهور. هنا لا تُقدَّم الفكرة… بل تعيد تصميمها
والفرق بين التقديم والتصميم… هو الفرق بين الصدق والانطباع.
الطريق الأول يصنع أثرًا عميقًا والثاني يصنع تأثيرًا سريعًا.
الأول يبني إنسانًا والثاني يبني صورة.
الأول يحتاج صبرًا والثاني يحتاج مهارة عرض.
المشكلة أن كثيرين لا يكذبون، لكنهم يُعدّلون الحقيقة قليلًا… لتبدو أفضل.
وهنا يبدأ الانزلاق
وهنا يبدأ الانزلاق حين تتحول القيم إلى “سلعة”، ويتحول الإيمان إلى “محتوى”، ويصبح السؤال: كيف نُقنع؟
بدل أن يكون: كيف نكون صادقين؟
في هذه اللحظة تحديدًا، تضيع البوصلة.
ولعل ما نراه الأن في الاعلام وعلى وسائل التواصل من بائعي الدِّينِ خير دليل على إعادة تصميم الدِّينِ ليناسب العقول التي لا تريد أن تبذل جهد ولو قليل لاستيعاب الدِّينِ الصحيح كما هو حتى وإن خالفَ رأي الفرد ورغباته.
تجربة الدكتور السميط: الحقيقة حين تُعاش
وعلى العكس من ذلك نري أنه ما يميز تجربة الدكتور عبد الرحمن السميط أنه لم يقع في هذا الفخ.
لم يُقدّم الإسلام كفكرة مُبهرة، ولا كخطابٍ مصقول، ولا كمُنْتَجٍ يحتاج إلى تسويق. قدّمه كما هو عدلًا… ورحمة… وخدمة للإنسان.
لم يكن معنيًا أن يبدو “مقنعًا”، بل أن يكون “صادقًا”
لذلك، لم يكن يبدأ بالكلام، بل بالفعل.
لم يسأل الناس: ماذا تعتقدون؟
بل سأل نفسه: ماذا أُقدّم؟
وحين رأى الناس المعنى قبل أن يسمعوا عنه، اختاروا بأنفسهم.
لأن الحقيقة، حين تُعاش، لا تحتاج إلى إقناع طويل.
المفارقة المؤلمة
المفارقة المؤلمة أن الطريق الثاني أسهل.
أسهل أن تُرضي الناس، أن تُعدّل خطابك، أن تُخفي ما لا يُعجب، أن تُظهر ما ينجح.
لكن هذا الطريق له ثمن.
أن تبدأ صادقًا… ثم تتحول تدريجيًا إلى نسخة مناسبة لأن تكون “بائع”
وفي النهاية، تنجح… لكنك لا تعود أنت كما كنت
هذا السؤال ليس فلسفة ولا جملة جميلة تُكتب في مقال.
هذا سؤال يُحدّد مصير كل فكرة نحملها.
هل نحن أوفياء لما نؤمن به؟
أم أوفياء لصورتنا أمام الناس؟
هل لو اختفت الكاميرات… سيبقى ما نفعله كما هو؟
هل نقود الفكرة… أم يقودنا الجمهور؟
أخطر خسارة
لأن أخطر خسارة ليست أن يفشل العمل، بل أن ينجح… بعد أن يفقد روحه.
عبد الرحمن السميط لم ينجح لأنه أقنع الناس، بل لأنه لم يُحاول أن يكون شيئًا غير ما يؤمن به.
وهنا يكمن الرد والدرس: ليس المهم أن تُرى الفكرة، بل أن تبقى حقيقية… حتى حين لا يراها أحد.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية







