تفشي جدري الماء بين أطفال غزة في ظل بيئة صحية منهارة

كتبت/ عزه السيد
حذّر مختصون في الرعاية الصحية في قطاع غزة من تفشي فيروس جدري الماء بين الأطفال النازحين في قطاع غزة، في ظل أوضاع إنسانية قاسية ناجمة عن حرب الإبادة التي يلوح الاحتلال باستئناف، وما رافقها من اكتظاظ شديد في مراكز الإيواء، وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية.
ويأتي انتشار المرض في وقت تعاني فيه البيئة الصحية في القطاع من تدهور حاد، حيث أسهمت ظروف النزوح الجماعي، وضعف خدمات الصرف الصحي، ونقص المياه النظيفة، في توفير بيئة خصبة لانتقال الأمراض المعدية، ومنها جدري الماء، الذي بدأ ينتشر على نطاق واسع بين العائلات، وفق تقرير نشرته “العربي الجديد”.
إصابات داخل خيام النزوح
وتروي نازحة تدعى نرمين محمد، التي تقيم مع أسرتها في منطقة العطار بمدينة خانيونس جنوبي القطاع، تفاصيل إصابة أفراد من عائلتها بالفيروس. وتقول إن زوجها سائد ظهرت عليه أعراض شبيهة بالإنفلونزا قبل أن تتطور إلى طفح جلدي، ثم انتقلت العدوى إلى ابنها عبد الله (8 سنوات)، قبل أن تصيب ثلاثة من أطفالها لاحقاً.
وتضيف أن محاولاتها لعزل المصابين داخل خيمة النزوح بوسائل بدائية لم تنجح في وقف انتشار المرض، مشيرة إلى أن إحدى بناتها فقدت وعيها نتيجة المضاعفات، فيما تعقّدت حالة زوجها مع وصول الحبوب إلى منطقة العين.
وتؤكد نرمين أن العدوى باتت واسعة الانتشار في المنطقة، في ظل ضعف الالتزام بالإجراءات الوقائية، وغياب الوعي الصحي الكافي، واستمرار الاختلاط بين النازحين داخل بيئة تفتقر لأبسط مقومات النظافة.
وفي مدينة غزة، تروي صبحية الجمال معاناة طفلها آدم (4 سنوات)، الذي نُقل إلى مستشفى الرنتيسي بعد ارتفاع شديد في الحرارة، قبل أن يتبين إصابته بالتهابات رئوية ثم جدري الماء. وتوضح أن حالة طفلها تثير قلقاً مضاعفاً، كونه يعاني مرضاً قلبياً منذ الولادة وخضع لعملية قلب مفتوح، ما يجعله أكثر عرضة لمضاعفات خطيرة.
عدوى سريعة في بيئة مكتظة
وفي شهادة أخرى، تقول تغريد أبو العون إن العدوى انتقلت بين أطفالها الثلاثة تباعاً، بعد إصابة ابنها يحيى (6 سنوات)، قبل أن تنتقل إلى شقيقتيه آية (11 عاماً) ونور (4 سنوات)، رغم محاولات العزل داخل الخيمة.
وتوضح أن الأعراض تمثلت في الحمى، والصداع، وآلام المفاصل، إلى جانب طفح جلدي واسع، مشيرة إلى أن الحكة الشديدة تمنع الأطفال من النوم، بينما تستمر المعاناة في ظل محدودية العلاج المتوفر.
ولا تختلف حالة الطفل أحمد أبو سمرة (5 سنوات)، الذي أصيب بالعدوى بعد انتقالها من شقيقه، حيث بدأت الأعراض بارتفاع الحرارة قبل ظهور فقاعات جلدية انتشرت في أنحاء جسده، وفق ما نقلته والدته.
من جانبه، يوضح استشاري طب الأطفال في مستشفى الرنتيسي، شريف مطر، أن جدري الماء مرض فيروسي شديد العدوى، تظهر أعراضه بارتفاع الحرارة والإرهاق، قبل أن يتطور إلى طفح جلدي على شكل فقاعات مملوءة بالسوائل، تبدأ غالباً في الجذع وتنتشر إلى باقي الجسم.
ويشير مطر إلى أن المرض غالباً ما يكون حميداً، لكنه قد يسبب مضاعفات خطيرة لدى بعض الفئات، خاصة الأطفال الذين يعانون أمراضاً مزمنة أو ضعفاً في المناعة، لافتاً إلى احتمالية حدوث التهابات بكتيرية أو مضاعفات عصبية في حالات نادرة.
ويضيف أن المصاب يظل معدياً طوال فترة ظهور الطفح الجلدي، التي قد تستمر نحو أسبوعين، مؤكداً أن الاكتظاظ وقلة النظافة والاحتكاك المباشر بين الأطفال تعد عوامل رئيسية في تسريع انتشار المرض، وهي ظروف متوفرة بكثافة في مراكز النزوح.
تفسيرات طبية وتحذيرات
بدورها، تقول صفاء الكحلوت من قسم مكافحة العدوى في المستشفى إن القطاع يشهد تزايداً في الأمراض المعدية بعد الحرب، مشيرة إلى تسجيل ما بين 20 و25 حالة اشتباه يومياً، يُدخل نحو خمس منها إلى أقسام المبيت.
وتؤكد أن الفيروس ينتقل بسهولة عبر الهواء أو الملامسة المباشرة، ما يجعله سريع الانتشار في البيئات المغلقة، مشددة على أهمية إجراءات الوقاية مثل غسل اليدين، واستخدام أدوات منفصلة، وتقليل الاحتكاك.
وفي السياق ذاته، يحذر عميد كلية العلوم الصحية في الجامعة الإسلامية، عبد الرؤوف المناعمة، من تزايد خطر انتشار المرض، موضحاً أنه ناجم عن فيروس الحماق النطاقي، الذي قد يسبب لاحقاً مرض الحزام الناري.
ويشير إلى أن الأطفال دون الخامسة، وسوء التغذية، وضعف المناعة، تعد من أبرز عوامل الخطر، مؤكداً أن التطعيم يمثل الوسيلة الأكثر فاعلية للوقاية، إلى جانب العزل وتقليل المخالطة.
لكن هذه الإجراءات، بحسب خبراء، تبقى صعبة التطبيق في واقع غزة الحالي، حيث تعيش آلاف العائلات في خيام مكتظة، وسط نقص حاد في المياه النظيفة والخدمات الصحية، ما يجعل السيطرة على انتشار الأمراض المعدية تحدياً متزايداً يهدد حياة السكان، خصوصاً الأطفال.