فاتح أفريقيا الجديد (14).. المسؤولية الفردية تبدأ حين يتوقف “إصبع اللوم” ويبدأ “فعل التغيير”

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في فلسفة العطاء، هناك فرق جوهري بين من ينتظر “اكتمال الظروف” ليتحرك، وبين من يصنع الظروف بما لديه من إمكانيات. في هذا الجزء من سلسلة “فاتح أفريقيا الجديد”، نستلهم من مسيرة الدكتور عبد الرحمن السميط دروساً في المسؤولية الفردية التي لا تعرف الانتظار، وكيف تحولت المبادرات الصغيرة بصدقها إلى مشاريع غيّرت وجه قارة بأكملها.
فلسفة البدايات البسيطة في مسيرة السميط
في إحدى المقابلات التي تحدّث فيها الدكتور عبد الرحمن السميط عن بداياته في إفريقيا، ذكر أنه لم ينطلق بمشاريع ضخمة كما يتصور البعض، بل بدأ بإمكانيات محدودة جدًا.
لم تكن هناك ميزانيات كبيرة، ولا دعم مؤسسي واسع، ولا شبكة جاهزة من الموارد.
ومع ذلك، لم ينتظر أن “تكتمل الظروف” كان يتحرك بما يتوفر… قليل من المال، بعض المتطوعين، وإصرار لا يتراجع.
كان يرى أن تأجيل العمل حتى تتحسن الإمكانيات هو في حد ذاته تعطيل للخير.
ولهذا بدأ بمشاريع بسيطة: حفر آبار محدودة، كفالة أعداد قليلة من الأيتام، وبناء مرافق صغيرة تخدم الاحتياج المباشر.
ومع الوقت، ومع الاستمرار، ومع صدق العمل، بدأت الدائرة تتسع زاد الدعم، وتكاثر المتبرعون، وتحوّلت المبادرات الصغيرة إلى مشاريع ممتدة عبر دول كاملة.
فلم يكن التوسع هو البداية، بل كان نتيجة.
لا تنتظر اكتمال الظروف… ابدأ بما لديك
وكان السميط – يرحمه الله – يكرر في أكثر من موضع أن العمل الإنساني لا يحتاج أن يكون كبيرًا في بدايته،
بل يحتاج أن يكون صادقًا… ومستمرًا.
لذا لم تكن هذه الجملة حماسية، ولا مثالية، بل كانت واقعية جدًا.
اختصرت فلسفة كاملة: لا تنتظر اكتمال الظروف… ابدأ بما لديك.
هذا هو الفرق بين من يُشير… ومن يتحرك.
نحن للأسف نُجيد الإشارة.
نُشير إلى الحكومات، وإلى المؤسسات، وإلى الظروف، وإلى “الآخرين”
نُحلّل، نُفسّر، نُبرّر، ثم نعود كما نحن.
لكن عبد الرحمن السميط كان يقف في مكان مختلف تمامًا: مكان السؤال بشكل مباشر… ماذا عني أنا؟
هذا السؤال، رغم بساطته، مُربك لأنه يسحبك من موقع المتفرّج، ويضعك في موقع المسؤول.
المسؤولية الفردية: أن تفعل ما يمكنك لا ما تتمنى
المسؤولية الفردية ليست وهم البطولة، ولا ادّعاء أن الفرد يمكنه إصلاح العالم وحده.
بل هي شيء أبسط بكثير… ولكنها أصعب بكثير في الوقت نفسه.
هي الاعتراف الهادئ بأن لك دورًا، مهما كان حجمه.
وأن ما تراه من خلل، ليس فقط موضوعًا للنقاش، بل فرصة للفعل.
نحن ننتظر كثيرًا ننتظر المشروع الكبير، والدعم الكافي، والتوقيت المثالي.
وغالبًا… لا يأتي شيء لأن الواقع لا يكتمل أبدًا، والظروف لا تصبح مثالية، والتأجيل… يصبح أسلوب حياة.
السميط لم ينتظر اكتمال الصورة لم يقل: عندما تتوفر الإمكانيات سنبدأ.
لم يقل: عندما تُحلّ التعقيدات سنتحرك.
بدأ بما لديه، ومن حيث هو، ومع من وجد من أجل ذلك تغير كل شيء.
المسؤولية الفردية لا تعني أن تحمل كل العبء، بل أن لا تتهرّب من الجزء الذي تستطيع حمله.
أن تفعل ما يمكنك… لا ما تتمنى
كم من الناس قالوا: لو توفّرت الإمكانيات لفعلنا.
لكنهم لم يسألوا السؤال الأصدق: ماذا يمكن أن نفعل دونها؟
لأن الحقيقة البسيطة التي نتجنبها… أن البداية لا تحتاج كمالًا، بل تحتاج قرارًا.
الفرق بين المتفرّج والفاعل ليس في القدرة، بل في القرار.
المتفرّج ينتظر اللحظة المناسبة، والفاعل يصنعها بما يملك.
عبد الرحمن السميط لم يكن أقوى الناس، ولا أغناهم، ولا أكثرهم دعمًا في بداياته لكنه كان أوضحهم مع نفسه.
لم يكن يهرب من السؤال، بل كان يوجهه يوميًا: ما الذي يمكن أن أفعله الآن؟
هذا السؤال لا يحتاج عبقرية، بل يحتاج صدقًا.
صدقًا يجعلك ترى أن تأجيل الخير… نوع من الخسارة.
وأن كل يوم يمر دون فعل، هو فرصة ضاعت… قد لا تعود.
المسؤولية الفردية تبدأ حين يتوقف الإنسان عن توزيع اللوم، ويبدأ بتوزيع الجهد.
حين يتوقف عن انتظار المبادرة، ويصبح هو المبادرة.
ليس لأنه الأفضل، ولا لأنه الأقدر، بل لأن الانتظار لا يُنقذ أحدًا.
ربما لا نستطيع تغيير العالم، لكننا نستطيع أن نمنع أنفسنا من أن نكون جزءًا من المشكلة.
ربما لا نملك كل الأدوات، لكننا نملك دائمًا قرار البداية
هذا هو جوهر المسؤولية الفردية: أن تتحرك، حتى لو كان ما تملكه قليلًا، وحتى لو بدا الأثر صغيرًا.
لأن الأثر الصغير، حين يُفعل بصدق، قد يكون بداية لشيء أكبر بكثير مما نتخيل.
عبد الرحمن السميط لم يبدأ بعالمٍ كامل، بل بدأ بخطوة ثم خطوة، ثم أخرى حتى أصبح الأثر أكبر من صاحبه.
وهنا يبقى السؤال، الذي لا يمكن الهروب منه: هل سنبقى نُشير… أم سنبدأ؟
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








