الاسرة والطفل

“إلى متى يطاردنا الموروث الجاهلي؟”.. لماذا الخجل من رزق البنات ؟!

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي

رغم التقدم العلمي والثقافي الذي نعيشه، لا تزال ترسبات “الفكر الجاهلي” تفرض ظلالها على بيوت كثيرة في مجتمعنا، حيث يُنظر إلى ولادة الأنثى أحيانًا بنوع من الخجل أو الانكسار، في المقابل يُحتفى بالذكر وكأنه “صك الأمان” الوحيد، وهي نظرة قاصرة تُخالف الشرع والعلم وتصنع مجتمعًا مهزوزًا.

خجل من رزق البنات.. جهل بالثواب وعقدة “وجهه مسوداً”

تبدأ الأزمة من مواقف حياتية متكررة، عندما يُسأل رجل عن أبنائه فيجيب مطرق الرأس خجلاً: “عندي بنات”، معتقدًا أن عدم إنجاب الذكور عقاب إلهي! والحقيقة الإيمانية والشرعية تؤكد أن الله لا يهب الإناث إلا لمن يستحقهن، ويكرمهن، ويحسن تربيتهن، ليكنّ له سترًا من النار يوم القيامة كما وعدنا الرسول ﷺ. إن استمرار تواري الرجل خجلاً أو شعور المرأة بالذل والنقص عند إنجاب الأنثى هو امتداد حي لعقلية “وإذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ”.

تهديدات الزواج والشعوذة.. الهوس بـ “ولي العهد”

تنعكس هذه العقدة المجتمعية في سلوكيات خطيرة تهدد استقرار الأسر، ومن أبرز مظاهرها:

  • الابتزاز العاطفي: تهديد الزوج لزوجته بالزواج بأخرى إذا لم تنجب له ذكرًا، وتمني البعض لو كان “وأد البنات” مشروعًا.

  • الجري وراء الدجل: لجوء الكثيرين للطرق العلمية تارة، وللدجل والشعوذة تارة أخرى، مستميتين لضمان أن يكون الجنين ذكرًا.

  • التفرقة في الحزن: إذا ماتت البنت في مجتمعنا قيل “موتها سُترة”، أما إذا مات الصبي انهارت الأسرة وارتفع العويل، وكأن قيمتهما الإنسانية والروحية غير متساوية.

الأم هي الجاني.. كيف تصنع النساء “المجتمع الذكوري”؟

المفارقة الصادمة أن المسؤولية الكبرى عن هذا الموروث الجاهلي تتحملها “الأنثى نفسها”؛ فالأمهات هن من يربين أولادهن على تفضيل الذكر، فيجوز له ما لا يجوز لأخته:

  • كيل بمكيالين: إذا دعت الأخت على أخيها مزاحًا انقلبت الدنيا وغضبت الأم، بينما يُغفر للابن الذكر أشنع الأخطاء.

  • سرقة الميراث: آباء يكتبون أملاكهم للذكور ويحرمون البنات، وأمهات يرفعن سلاح “الغضب” في وجه بناتهن لإجبارهن على التنازل عن إرثهن الشرعي لصالح الأخ.

النتيجة الحتمية.. فتيات مهزوزات يبحثن عن “ولي العهد”

هذه التربية المنحازة لا تنتج إلا فتيات مهزوزات وفاقدات للثقة بأنفسهن؛ ليصبح حلم الفتاة الأكبر ليس الشهادة العلمية ولا الزوج الصالح ولا الاستقرار، بل أن تتشرف بإنجاب “ولي العهد” الذكر لترضي المجتمع، حتى وإن كان هذا الابن عاقًا ويسود وجهها في الدنيا والآخرة. حان الوقت لنخرج من هذه العباءة الجاهلية ونعلم أن الأبناء هبة، وأن التربية الصالحة هي المقياس الوحيد.

زر الذهاب إلى الأعلى