أراء وقراءات

الإعلام ومستقبل الأبناء.. هل يصنع الحلم أم يفرضه؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

مع إعلان نتيجة الثانوية العامة كل عام، تتكرر المشاهد ذاتها؛ فرحة تعانق أحلام سنوات طويلة، ودموع تختلط بخيبة أمل، وأسر تترقب مستقبل أبنائها وكأن الحياة كلها تتوقف عند رقم في شهادة. لكن وسط هذا المشهد، يظل هناك سؤال لا يقل أهمية عن النتيجة نفسها: من يرسم صورة النجاح في عقول أبنائنا؟ وهل يختار الطالب مستقبله بحرية، أم أن هناك صورًا ذهنية صاغها الإعلام والمجتمع حتى أصبحت تبدو وكأنها حقائق لا تقبل النقاش؟

ربما تكون نتيجة الثانوية العامة بداية طريق، لكنها ليست النهاية، ولا ينبغي أن تتحول إلى المعيار الوحيد الذي تُقاس به قيمة الإنسان أو مستقبله.

*حين يصنع الإعلام صورة النجاح

للإعلام قدرة هائلة على تشكيل التصورات. فهو لا ينقل الواقع فحسب، بل يسهم في تكوين الصورة الذهنية عنه. ومن خلال البرامج، والدراما، والتغطيات الإخبارية، والحوارات، وحتى المحتوى المتداول على المنصات الرقمية، ترسخت لدى كثيرين فكرة أن النجاح يرتبط بكليات محددة، وأن بعض المهن وحدها تستحق الاحتفاء، بينما تُترك تخصصات أخرى في الظل، رغم أنها لا تقل أهمية في بناء المجتمع.

ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الصورة مجرد رأي، بل أصبحت قناعة راسخة لدى كثير من الأسر والطلاب، حتى بات البعض يختار الكلية التي تمنحه نظرة اجتماعية أفضل، لا تلك التي تمنحه فرصة حقيقية للإبداع والتميز. 

*بين الحلم الحقيقي والحلم المستعار

المشكلة لا تبدأ بعد إعلان النتيجة، بل قبلها بسنوات، عندما يتشكل في أذهان الأبناء أن النجاح له شكل واحد، وأن التفوق لا يكتمل إلا إذا انتهى إلى كلية بعينها. وهنا يتحول حلم الطالب من حلم شخصي نابع من قدراته وميوله، إلى حلم مستعار صنعته المقارنات، ورسخته الصور النمطية، وكررته وسائل الإعلام حتى بدا وكأنه الطريق الوحيد للنجاح.

كم من شاب التحق بتخصص لا يحبه فقط لأنه يخشى نظرة المجتمع؟ وكم من موهبة حقيقية ضاعت لأن صاحبها أقنع نفسه بأن شغفه لا يحقق المكانة التي يتحدث عنها الجميع؟

*الإعلام… شريك في بناء المستقبل

إن مسؤولية الإعلام في موسم الثانوية العامة لا تقتصر على نقل نسب النجاح، أو إجراء اللقاءات مع الأوائل، أو متابعة مؤشرات التنسيق. فهذه مهمة إخبارية مهمة، لكنها ليست الرسالة كاملة.

الرسالة الحقيقية تبدأ عندما يقدم الإعلام نماذج ملهمة من مختلف التخصصات، ويؤكد أن المجتمع لا يبنيه الأطباء والمهندسون وحدهم، بل يحتاج إلى المعلم، والإعلامي، والباحث، والمبرمج، والمحاسب، والمصمم، والفنان، وكل صاحب علم ومهارة يسهم بإخلاص في خدمة وطنه.

كما أن من واجب الإعلام أن يسلط الضوء على احتياجات سوق العمل، والتخصصات الجديدة، والمهارات التي أصبحت معيارًا للنجاح في عالم سريع التغير، حتى يدرك الشباب أن المستقبل لم يعد حكرًا على مسار واحد، وأن التميز أصبح مرتبطًا بالكفاءة والتعلم المستمر أكثر من ارتباطه باسم الكلية.

*نجاح لا يقاس بالمجموع وحده

كم من طالب لم يحصل على المجموع الذي تمناه، لكنه صنع لاحقًا قصة نجاح يفتخر بها الجميع. وكم من آخر التحق بكلية الأحلام، لكنه لم يجد فيها نفسه، لأن النجاح الحقيقي لا تصنعه الأسماء، بل يصنعه الشغف، والاجتهاد، والإصرار.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإعلام هو أن يحصر النجاح في رقم، أو يربط المستقبل بكلية واحدة، لأن ذلك يزرع الإحباط في نفوس آلاف الشباب الذين يمتلكون من القدرات ما يؤهلهم للنجاح في مجالات أخرى ربما تكون أكثر ملاءمة لهم.

*رسالة إعلامية تصنع الأمل

في هذه الأيام التي تمتلئ فيها البيوت بالمشاعر المتباينة، يحتاج المجتمع إلى إعلام يبعث الطمأنينة، ويصحح المفاهيم، ويؤكد أن الثانوية العامة محطة مهمة، لكنها ليست المحطة الأخيرة. وأن قيمة الإنسان لا يحددها مجموعه، بل ما يصنعه بعلمه، وما يقدمه لوطنه، وما يحققه من أثر في حياة الآخرين.

فالأوطان لا تنهض بكلية واحدة، ولا بمهنة واحدة، وإنما تنهض بتكامل العقول، وتنوع التخصصات، واحترام كل من يؤدي دوره بإتقان.

*النجاح الحقيقي

وختاماً … فإن للإعلام دوراً يتجاوز نقل النتائج وإعلان أسماء الأوائل؛ فهو قادر على أن يصنع أحلامًا واقعية، وأن يحرر الشباب من الصور النمطية، وأن يغرس فيهم يقينًا بسيطًا وعظيمًا في الوقت نفسه: أن النجاح الحقيقي ليس اسم كلية، بل رحلة تبدأ بالإيمان بالنفس، وتستمر بالعمل والاجتهاد، وتنتهي بإنسان نافع لوطنه ومجتمعه.

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

زر الذهاب إلى الأعلى