“طوفان الظباء” يضع جنوب السودان على خريطة التراث العالمى

كتبت – د. هيام الإبس
فى قلب القارة الأفريقية، حيث تلتقي مجاري النيل الأبيض ببراح السافانا والسهول العشبية، تتدافع سنوياً أقدام نحو مليون ظبي وغزال في واحدة من أضخم الملاحم الطبيعية وأكثرها مهابة على وجه الأرض. اليوم، لم يعد هذا “الطوفان البيئي” مجرد المشهد الأخير لبرية تقاوم الفناء، بل تحوّل إلى شريان أمل جديد لدولة أرهقتها الصراعات؛ بعدما أعلنت منظمة “اليونسكو” إدراج مشهد “بوما–بادينغيلو” ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، كأول موقع في تاريخ جنوب السودان ينال هذا الاعتراف الدولي منذ استقلاله عام 2011.
نقطة تحول: من خريطة الأزمات إلى بوادق الطبيعة
تأتي هذه الخطوة التاريخية لتفتح نافذة جديدة تنظر منها جوبا إلى العالم؛ فالدولة الشابة التي ارتبط اسمها طويلاً بمرادفات الحروب الأهلية والأزمات الإنسانية، تخطو اليوم أولى خطواتها لإعادة تقديم نفسها كواحدة من أثرى حاضنات التنوع البيولوجي في أفريقيا.
يمتد هذا المشهد الطبيعي المذهل على مساحة تزيد على 37 ألف كيلومتر مربع، محتضناً مسار الهجرة الكبرى للحيوانات البرية، وتراهن الحكومة اليوم على هذا الاعتراف الأممي ليتحول إلى ركيزة استراتيجية تستقطب التمويل الدولي، وتفتح الآفاق أمام “السياحة البيئية” لتكون محركاً للتنمية الاقتصادية المستدامة.
“هذه اللحظة ليست مجرد محطة تاريخية في جهود حماية الطبيعة، بل هي دلالة حية على قدرة أمتنا على صون أثمن ثرواتها البيئية رغم سنوات عدم الاستقرار.”
ديني جوك تشاغور، وزير السياحة في جنوب السودان
الإنسان والطبيعة: حماية الهوية وسبل العيش
لم يكن قرار “اليونسكو” نصراً للبيئة وحدها، بل لامس وجدان المجتمعات المحلية التي قطنت هذه الأراضي لقرون. بالنسبة للقبائل والرعاة، لا تمثل المراعي والحياة البرية مجرد جغرافيا، بل هي نسيج ثقافي وهيكلية عيش متكاملة.
وقد قوبل القرار بترحاب مجتمعي واسع، باعتباره اعترافاً صريحاً بالارتباط الوثيق بين صون النظام البيئي والحفاظ على التراث الإنساني والسكان الأصليين.
تحذير أممي: بيئة ساحرة تحت مقصلة الخطر
على الجانب الآخر، يحمل إدراج الموقع في قائمة “التراث المعرض للخطر” رسالة تحذير شديدة اللهجة. فالمنطقة تقف عند مفترق طرق خطير، وتواجه تهديدات مريرة تتلخص في:
التحديات الأمنية: استمرار الصراعات المسلحة المحلية وتفشي الصيد غير المشروع.
الضغوط البشرية: التوسع العمراني والجائر على حساب المسارات الطبيعية للهجرة.
التقلبات المناخية: موجات الجفاف القاسية تليها فيضانات جارفة تعيد تشكيل البيئة قسراً.
هذه العوامل تجعل من الدعم والدفعة الدولية أمراً حاسماً، يتحول معه القرار من مجرد “تتويج رمزي” إلى خطة إنقاذ عاجلة.
فرصة ذهبية.. ولكن
تضع هذه الخطوة جنوب السودان إلى جوار كبرى محميات القارة؛ مثل “دلتا أوكافانغو” في بوتسوانا وسيرينغيتي في تنزانيا.
ويرى خبراء ومراقبون أن البلاد أمام فرصة ذهبية لإعادة صياغة صورتها الذهنية أمام العالم.
إلا أن نجاح هذه التجربة وتحويلها إلى استثمارات في “الاقتصاد الأخضر” يظل مرهوناً بقدرة السلطات في جوبا على فرض الاستقرار الأمني، وتوفير البنية التحتية، وإشراك المجتمعات المحلية بفعالية؛ حتى لا يظل هذا الكنز الطبيعي مجرد عنوان لقصة لم تكتمل.



